كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من فقه الإمام أحمد ضبط مفهوم (الأمن الشرعي).

المصدر
من فقه الإمام أحمد ضبط مفهوم (الأمن الشرعي). قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (3/514) ط دار عالم الكتب: "يباح لبس السواد من عمامة نص عليه، وثوب وقباء وهذا معنى ما في المستوعب والتلخيص والشرح وقيل إلا لمصاب أو جندي في غير حرب: وعنه يكره للجندي مطلقا وخياطته إذا روع به مسلما، وأجازه للمرأة نقله عنه المروذي، وقيل فمن ترك ثيابا سوداء يحرقها الوصي، قيل له فالورثة صبيان ترى أن يحرق؟ قال نعم يحرقه الوصي. قال الخلال عن المروذي عنه وهذا يقتضي تحريمه، وعلل أحمد بأنه لباس الجند أصحاب السلطان والظلمة، وسأل الإمام أحمد المتوكل أن يعفيه من لبس السواد فأعفاه، وسلم رجل على أحمد فلم يرد عليه وكان عليه جبة سوداء رواه الخلال". أقول: تأمل قول الإمام أحمد (إذا روع به مسلما) واربطه مع قوله مع تعليله بأنه من لباس الجند والظلمة. كان الجند في زمن العباسيين يلبسون السواد تمييزاً لموظفي الدولة (ولهذا تجد معممي الشيعة يلبسون العمامة السوداء، بدأ ذلك الشريف الرضي لما عينوه نقيباً للأشراف). فكان الإمام أحمد يكره خياطة هذا النوع من اللباس لارتباطه بترويع المسلمين. فيقال: أليس هؤلاء كانوا يحفظون أمن البلاد وإن وقعت منهم زلات وسقطات فهي مغتفرة في حفظ الأمن؟ فيقال: ليس الشأن في حفظ الأمن فذلك مقصد مشترك بين عموم الناس، وعامة الدول الظالمة والعادلة كانت تحارب السراق وقطاع الطرق وغيرهم. غير أن الشأن في أن لا يتعدى حفظك للأمن إلى ترويع الآمنين، ويتعدى حفظك للعدل إلى ظلم الأبرياء، أو ترويعهم وجعلهم في خوف دائم، وإن لم يصنعوا ما يستدعي شيئاً. فأصحاب الجرائم الذين يعاقبون يعدون على الأصابع، فلا يصلح أن تروع مجتمعاً كاملاً بحجة أنك تريد معاقبة هؤلاء أو سد الطريق عليهم، ولهذا قال أحمد (روع مسلماً). ومن التزم الوحي انضبطت أموره. وشر الناس من يروع الآمن ويترك ضرباً من الظلمة والسراق أو المتعدين على الحرمات بأمان، أو لا ينالهم ما يستحقونه من عقوبة. ولذلك جاء مفهوم درء الحدود بالشبهات، فهذا يجعل البريء مرتاحاً لأن إثبات الجرم عليه شديد. ولكي لا يتنفس أهل الشر الصعداء جاء سد الذرائع، ولكن لم تكن العقوبة عليه كمثل العقوبة على الجرم نفسه، فليست العقوبة على النظر الحرام أو التحرش أو التبرج كالعقوبة على الزنا الصريح. وأما من يغلون بمفهوم الأمن فتجدهم ينزلون أشد العقوبات فيمن حاموا حول الحمى بحجة حفظ الأمن. قال الشافعي في الأم (4/229) : "ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا جماعات الناس وكفروهم لم يحلل بذلك قتالهم لأنهم على حرمة الإيمان لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله عز وجل بقتالهم فيها بلغنا أن عليا -رضي الله تعالى عنه- بينما هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد لا حكم إلا الله عز وجل، فقال علي -رضي الله تعالى عنه- كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله؛ ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا؛ ولا نبدؤكم بقتال. (قال الشافعي) : -رحمه الله- أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي الغساني عن أبيه أن عديا كتب لعمر بن عبد العزيز أن الخوارج عندنا يسبونك، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم، وإن أشهروا السلاح فأشهروا عليهم وإن ضربوا فاضربوهم. (قال الشافعي -رحمه الله تعالى-) : وبهذا كله نقول، ولا يحل للمسلمين بطعنهم دماؤهم ولا أن يمنعوا الفيء ما جرى عليهم حكم الإسلام، وكانوا أسوتهم في جهاد عدوهم ولا يحال بينهم وبين المساجد والأسواق. قال ولو شهدوا شهادة الحق". فهؤلاء الخوارج وهم الخوارج تعامل معهم علي بن أبي طالب هذا التعامل ما داموا تحت إمرته، ولم يبدأوا قتالاً، وقد يرى بعض الناس الغلاة بمفهوم الأمن هذا تضييعاً من علي رضي الله عنه وليس كذلك، بل في هذا فتح باب لهداية عدد منهم ونزع التوحش من قلبه، ثم إذا خرجت منهم خارجة قاتلهم الناس بنفس طيبة دون أدنى تعاطف معهم لأنهم قابلوا الحسنى بالشر.