كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رد ابن تيمية على شبهات إلحادية شهيرة من خلال رده على الفلاسفة والمتكلمين!

المصدر
رد ابن تيمية على شبهات إلحادية شهيرة من خلال رده على الفلاسفة والمتكلمين! هذا باب يستحقُّ الجمع والإفراد بالتصنيف، وهو أن كثيرًا من ردود ابن تيمية على الفلاسفة والمتكلمين يمكن أن يُستفاد منها في الرد على الملاحدة والعالمانيين. كثير من الملاحدة يتَّخذ تنزيه الله بابًا لكفره كما فعل عُبَّاد الأوثان الأوائل حين نزَّهوا الله عز وجل عن أن يرسل رسولًا! ولكنهم آمنوا بإله لا يأمر ولا ينهى ولا يُحاسِب بل يُكذَبُ على اسمه ولا يفعل شيئًا حيال ذلك! ولا يُرشِد خلقه وهو العليم بما فيه صلاحهم مع كثرة نزاعهم في ذلك مما أدَّى إلى اقتتالهم وكثرة جدلهم. والأمر نفسه في الملحد، خصوصًا الربوبي منهم (الربوبي: من يؤمن بخالق ويكفر بالأديان، وهو ملحد في الحقيقة، فهو يؤمن بإلهٍ الإيمان به والكفر به شيء واحد ولا فائدة من الأدلة العقلية عليه). فالربوبي أو اللاديني يحاول الهروب من كل البراهين الدالة على وجود الله ويقفز لسؤال: نعم أُومِن بإله ولكن ما حاجته لعبادتنا؟ والواقع أن هذا التنزيه مبناه على التعطيل، بمعنى أنه يؤمن بإله لا يمكن التواصل معه وليس له حقوق على العباد، بل فقط العباد من لهم حقوق عليه، فشبَّهَهُ بالجمادات والمعدومات. وهذا شبيه بصنيع الجهمية، يزعمون أنهم يُنزِّهون الله وهُم يُشَبِّهُونه بالعدم أو الجمادات. فالله عز وجل لو لم يكن له حقوق على الخلق لَمَا كان لاسم العفوِّ والغفور والرحيم معنًى، فالعفْوُ إنما يكون عن حق، وكذلك المغفرة. بل ببداهة العقول يُدرِك الناس أن المَلِك الذي يثيب ويُعاقِب أكملُ من ذلك الذي لا يمكنه أن يُعاقِب، أو لا يثيب ولا يُعاقِب، فإنه لا يُرهَب منه ولا يُخشى والحال هذه، والإله الحق يُرغب إليه ويُرهَب منه ويُحَبُّ سبحانه. والله أظهرَ كمالَه بكمالِه سبحانه، وقد سألني أحدهم مرة: لماذا خلقنا الله؟ فقلت له: ولماذا لا يخلقنا ما دام قديرًا على الخلقِ والقدرةُ كمال؟ وعمومًا شبهات القوم في هذا الباب نابعة من شبهة فلسفية قديمة اسمها "الاستكمال بالغير"، من خلالها نفى أرسطو صفة العلم لله بحجة أنه سبحانه إن كان عليمًا بغيره وهذا العلم كمالٌ فقد استُكمِل بغيره. وبعض المتكلمين يستخدم هذه الشبهة في نفي العلو، وبعضهم يستخدمها في نفي الصفات الفعلية، مع كونهم يردُّون على هراء أرسطو في صفة العلم بأن المخلوقات إنما خلقها الله، والخلق عائد للقدرة، وكونه عالمًا بالمخلوقات أكملُ من كونه جاهلًا بها، يعني إما أن ننفي القدرة ونثبت العجز (والقول بقدم العالم أبعدُ عن العقل من هذا الذي يريد إثباته) أو أن نثبت العلم. وباختصار: الأمر ليس استكمالًا بالغير، بل هو إظهار كمال بكمال، فـ "الغير" مخلوقات وُجِدت بقدرته هو سبحانه، فهي تابعة لصفاته، لذا نقول أظهرَ كمالَه بكمالِه ولَم يحتج إلى غيره، بل غيره مفتقر إليه، ولابن تيمية جواب على شبهة الاستكمال بالغير يصلح ردًّا على شبهات القوم في هذا. قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (١٠/١٤): "وأيضًا فإنه على هذا التقدير يكون هذا سؤال الاستكمال بالمعلوم الذي ذكره أرسطو، وقد عُرف جوابه من عدة أوجه. أحدها: أن ذلك الغير هو مفعوله، فلم يحتج إلى غيره بوجه من الوجوه. الثاني: أنه لو قدر وجود موجود مستغن عنه، كان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه، فإن العلم صفة كمال، والملك والبشر إذا علموا ما هو مستغن عنهم، كان أكمل لهم من أن لا يعلموه. الثالث: أنه لو قدر موجود غيره واجب بنفسه، أو موجود عن ذلك الواجب بنفسه، وذات العالم هي التي اقتضت العلم به -لكان هذا كمالًا له على هذا التقدير، لم يكن هذا مما ينفيه وجوب وجوده. الرابع: أن هذا وإن قدر أنه استكمال بالغير، فلا دليل لهم على نفيه، لا من جهة الوجوب، ولا من جهة استحقاق الكمال، ولا من غير ذلك، بل الأدلة تقتضي ثبوته". انتهى نقل كلام الشيخ. والذي يهِمُّنا الوجه الأول، أن هذا الغير مفعولُه (أيْ مخلوق له)، والمخلوق خُلِق بفعله سبحانه، فهو مفتقرٌ محتاجٌ لله عز وجل، وعلى هذا فالله أظهرَ كمالَه (حقوقه وربوبيته) بكمالِه (قدرته على الخلق). =