بين أولية سحرة فرعون وأولية أهل بدر وعبرة للدعاة في زماننا...
بين أولية سحرة فرعون وأولية أهل بدر وعبرة للدعاة في زماننا...
قال تعالى: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} [الشعراء].
رجا السحرةُ التائبون أن يغفر الله عز وجل لهم خطاياهم أن كانوا أول المؤمنين الشهداء، إذ تكلموا بكلمة الحق الأعظم (كلمة التوحيد) أمام أعظم خلق الله جَوراً وهو فرعون.
وذلك أن الأول له فضيلة أن كل من جاء بعده مقتدٍ به مستلهِم لسيرته، كما في حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده» كانت في رجل سبق في الصدقة، ولذلك نحن في الصلاة نستلهم طريق من سبقنا، فنقول: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم}.
وقد تحقق رجاء هؤلاء التائبين في نظرائهم من أهل بدر.
فقد جاء في الحديث: «وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وهذا المعنى أشير إليه في القرآن في موضعين.
قال تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}.
يعني لولا ما سبق لكم من السعادة والمغفرة يا أهل بدر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وقال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم}.
وهذا في معنى الآية السابقة، وكان ممن دخل في هذا مسطح بن أثاثة، وهو من أهل بدر.
وفضل أهل بدر في أنهم سابق هذه الأمة في الجهاد، فكل من جاء بعدهم تبع لهم، وكان ذلك في رمضان وقد نزلت معهم الملائكة، كما نزلت الملائكة بالقرآن في رمضان.
فهم سابقون في هذه الفضيلة.
وفي الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» فكذلك من أحيا قلباً ميتاً فله أجره، وكم من إحياء يكون بالقدوة الحسنة.
ولذلك يرجى الأجر العظيم لمن أحيا سنَّة أميتت، أو نشرَ الإسلام والسنة في مكان لم يكن الإسلام فيه حاضراً، واليوم مع انفتاح العالم على بعضه وسهولة تعلُّم اللغات الأجنبية صار الأمر قريباً، وكثير من الناس محرومون مع المقدرة.
تأمل حال حاطب وحال مسطح، كل واحد منهما جاء بأمر عظيم فذُكرت بدريته مسليةً له مع ما كان من توبته، وكذلك الحسنات العظيمة لا تُحتقر فيقنط المرء وينتكس تماماً، ولا يغتر بها فتُهمل التوبة، بل تكون مشجعة على التوبة.
فاليوم المرء الفاضل إن وقعت منه سقطة قلَّما يشجعونه على التوبة تذكيراً بفضله، بل غالباً يلغون فضله بالسقطة، وربما هو يعامل نفسه كذلك فيقنط وينتكس.