كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لو عرفوا الله حق المعرفة ما أشركوا به...

المصدر
لو عرفوا الله حق المعرفة ما أشركوا به... كثير ممن يتعلَّق بغير الله خصوصًا أولئك الذين يتعلقون بالأضرحة والأولياء إنما أتوا من عدم تعبدهم كما ينبغي بمعرفة أسماء الله وصفاته وتعلقهم بالدنيا. تدبَّر معي هذه الآيات من سورة العنكبوت، وانظر كم من حجة بالغة فيها: قال تعالى: {وَكَأَيِّن من دابة لا تَحْمِلُ رزقها اللهُ يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} [العنكبوت] وهنا تسأل ذلك المتعلق بالأولياء: من يرزقك في كل حين؟ الولي أم الله؟ فحين تسأل، تسأل الله الذي يرزقك في كل حين وهو على كل شيء قدير أم هذا الذي جعلته للملمات في زعمك؟ من أسمع لك وأعلم بحالك؟ الله أم الولي؟ وما من أحد يدعو غير الله إلا وهو مشبِّه يثبت للولي سمعًا كسمع الله يسمع القريب والبعيد ولا تختلط عليه الأصوات، وكذلك يثبت له علمًا كعلم الله فيعلم ما في قلبه من حاجة وانكسار، وتأمَّل كيف أن المعطلة سموا إثبات الصفات تشبيهًا ثم أقرُّوا هذا التشبيه وهذا الشرك في كثير منهم. فإن قيل: أليس يجوز أن أقول لأحد ادع الله لي؟ فيقال: نعم، والدعاء هنا لله، وأنت تذكر بلسانك ولا يجوز أن تترك أنت الدعاء اتكالًا على دعاء غيرك، وأما الذين يدعون الأولياء فهؤلاء لا يذكرون الله بل يذكرون الأولياء فقط، فتسمع (يا حسين يا بدوي يا عبد القادر) فقط، لا ذكر لله البتة في هذه الأدعية. وتأمَّل الآية التي بعدها: {ولئن سألتَهم مَن خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنَّى يُؤفكون} وكأنها تخاطب القوم فتقول لهم: أنتم إنما تدعون غير الله طالبين رزقًا ما، فهل الرزق الأعظم مِن خلق السماوات والأرض والشمس والقمر إلا من الله باعترافكم؟ فمن قدر على الأعظم هو هل عاجز عن الأدنى أو باخل عليكم به؟ تعالى الله عما يقولون. ثم كأنه انقدح في ذهن بعضهم إيرادٌ وهو: إذن لماذا لا تُستجاب كل أدعيتنا، وكأنَّ أولياءهم يجيبونهم في كل ما يدعون. فجاء الجواب {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم}، وهو أن الأرزاق مقسمة بين العباد والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بحكمة، وأنت تدعو بهذا تريده لك وغيرك يدعو يريده له، وأنت تدعو بشيء تظن فيه صلاحًا وقد لا يكون فيه هذا ولكن إجابة الدعاء بالتوفيق للأصلح. ثم جاء التذكير بالخير العميم الذي يراه الناس متجددًا أمامهم، فإن كان خلق السماوات والأرض والشمس والقمر أذهبَ تعودُهم عليه تقديرَ النعمة، فهذا ليس كذلك. فقال تعالى: {ولئن سألتهم من نزَّل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولُنَّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} وهذه نعمة متجددة جليلة. ثم بيَّن لهم أن باب الشرك هو استعجال بعض النعم الدنيوية وتسويل الشياطين أن ذلك إنما يُنال بعبادة غير الله، وهذا هو باب كثير من أهل الإلحاد أيضًا ممن يرون الراحة إنما تكون بترك طاعة الله تغريرًا من الشياطين، فقال تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}، فمن استحضر هذا ما ضعف أمام وساوس الشياطين. ومن هنا تعلم اتصال باب الأسماء والصفات بباب الألوهية، واتصالهما جميعًا بباب الإيمان باليوم الآخر، وهذا النظم العجيب من أعظم دلائل النبوة. ويرى كثير من المساكين أن الحديث عن الشركيات وعن التعطيل إشغالٌ للأمة عن قضاياها، وكأن قضايا الأمة لا تقوم إلا على إقرار الشرك، فأين {إن تنصروا الله ينصركم} وما نصرة الله إلا بنصرة توحيده بكل مظاهره وأنواعه. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٤): "وهذه الطائفة الأخيرة قد كثرت في كثير ممن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم لا سيما لما ظهر المشركون من الترك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المائة السابعة. وكان كثير ممن ينتسب إلى الإسلام فيه من النفاق والردة ما أوجب تسليط المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين. فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار للعلم. وهذان هما مقدمتا الزندقة كما قدمناه. ثم يعتمد فيما أقر به من أمور الإسلام على ما علم بالاضطرار من دين الإسلام مثل العبادات والمحرمات الظاهرة وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد -بعد الاطلاع على التفاسير والأحاديث- يجعل العلم بذلك مستفادا من أمور كثيرة؛ فلا يعطل تعطيل الفلاسفة الصابئين ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين". فابن تيمية يرى أن انتشار آراء الرازي وأضرابه سبب في تسلط المشركين وأهل الكتاب على بلاد الإسلام، وهذا النقل (وله نظائر) يدلك على أن كثيرًا من المتمسِّحين بالشيخ في وادٍ وهو في وادٍ آخر، وإنما قرأوه باجتزاء وفقًا لما تلقَّنوه من غيره مما هو ليس على طريقته.