كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الانتفاع لا يقتضي التعديل المطلق

المصدر
الانتفاع لا يقتضي التعديل المطلق هذا مبحث علمي يعالج إشكالية عصرية خاصة فشت بين طلبة العلم، وهي أنك إذا تحدثت عن خطورة بدعة كلامية يقفز البعض إلى الحديث عن كون فلان وفلان من المشاهير منهم، وأن لهم كُتبًا فاشية بين الناس (والواقع أنها تكون في الغالب فاشية بين خواص طلبة العلم). وبعضهم يدَّعي اتفاقات على تلقي هذه الكتب بالقبول، ويتناقض إذ يعترف بوجود مخالفات في هذه الكتب وأنها لا تصلح للمبتدئين ولا العوام، فلو كان هناك تلقٍّ بالقبول يُستدل به على صلاح المؤلف لاستُدِلَّ بذلك من باب أولى على صلاح العقيدة التي في هذا الكتاب، والمعترض نفسه لا يقول بذلك (علمًا أن إجماعات الأزمنة المتأخرة لا تنضبط بحسب تقرير شيخ الإسلام، وكذلك إجماعات المقلدين لا تُعتبر). وعلى العموم هذه منهجية غير دقيقة، لأن الكلام عن البدع يكون بحسب وصف السلف لها ثم بعد ذلك يأتي الكلام على الأشخاص، لا العكس، ووجود كتاب منتشر أو ثناء على شخص هذه قرائن ولا يمكن أن تقف أمام كلام السلف الكثير المتواتر في التحذير من علم الكلام والعديد من البدع التي بُنيت عليه وتشديدهم على معتقدي هذه العقائد أكثر من كل أهل البدع. غير أنني هنا أريد التنبيه على أصل هام وهو أن الانتفاع لا يساوي التزكية المطلقة. نعم، مسائل الدين الكبار والضرورية بيّنها علماء أهل السنة منذ الزمن القديم، وأعني بذلك مسائل العقيدة والحلال والحرام والأخلاق والرقاق. ومعلوم أننا لا نأخذ العقيدة الصحيحة من أهل الكلام. ثم بعد ذلك هناك علوم آلة، واجتهاد في نصرة العقائد التي ثبت أصلها، وكذلك مسائل الحلال والحرام التي ثبت أصلها، والتعامل مع الانحرافات الجديدة. وهذا هو مسرح اجتهاد المتأخرين، سواء كانوا من أهل السنة أو من أهل البدعة، وكون هذا مسرحًا لهم ليس معناه أنه ليس للسلف كلام فيه، بل السلف لهم أصول كبرى ينتفع الكل بها ولهم تطبيقات تفصيلية أيضًا. لا يمكن أن يأتي متأخر بعقيدة جديدة صحيحة أو بحكم صحيح جديد، ولكنه يمكن أن يستدل باستدلالات جديدة على أصل صحيح له أدلة قديمة أو يدفع اعتراضات محدَثة أو يرتّب أو يهذّب. وهنا ليس للمتأخر منَّة على السلف، بل السلف منَّتهم عليه، لأنهم علَّموه أصل الحق وأصل طريقة الاستدلال الصحيحة، ونحن مشكلتنا مع المنحرفين من المتأخرين أنهم خالفوا عقيدة السلف. بعد أن تفهم هذا فاعلم -رحمك الله- أن هذه الأبواب لا تختص بفرقة دون أخرى، بل ما من منتسب للملة إلا وله جهد في هذه الأبواب، ولكن تبقى مادة أهل الحديث هي الأنقى وخيرها غالب لما يوجد في بعضها من شر، بخلاف الآخرين يخلطون خيرًا كبيرًا مع شر كبير أيضًا. إذا فهمت ما مضى جيدًا فتعال أقرأ عليك هذه الأمثلة، وركز فيها: المثال الأول: أبو طالب عم النبي ﷺ، هذا الرجل خدم الدعوة خدمة عظيمة وحامى عن النبي ﷺ. وكذلك المطعم بن عدي، أدخل النبي ﷺ في جواره، حتى رثاه حسان لمّا مات، وكان مشركًا. هؤلاء مع عظيم أثرهم الإيجابي على الدعوة هم مشركون ولا يجوز الترحم عليهم باتفاق أهل العلم من كل الفرق، فالانتفاع لا يساوي التزكية المطلقة. المثال الثاني: قال أبو داود في سننه ٤٦١١- حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الهمداني، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله، أخبره أن يزيد بن عميرة -وكان من أصحاب معاذ بن جبل- أخبره قال: كان لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال: «الله حكم قسط هلك المرتابون»، فقال معاذ بن جبل يومًا: "إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق"، قال: قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: «بلى، اِجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه، ولا يثنينّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجِع، وتلقَ الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا». =