كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

باب فيمن أغلق محله لحضور درس العلم..

المصدر
باب فيمن أغلق محله لحضور درس العلم.. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: "5402- سَعيد بن المُغيرة الصياد المصيصي أَبو عثُمان. رَوَى عَن: عامر بن يساف، وأَبو إِسحاق الفَزارِي، وعِيسى بن يُونُس، ومخلد بن الحُسين، وابن المبارك. رَوَى عَنه أبي، وسمعته يقول: حسبك به فضلا، ابتَدَأ في قراءة كتاب السير فرأَيت أهل المصيصة قد غلقوا أَبواب حوانيتهم وحضروا مجلسه، وقال حَدثنا: سَعيد بن المُغيرة الصياد، وكان ثقة". أقول: كتاب السير هو لأبي إسحاق الفزاري الإمام المعروف، والصياد هذا تلميذه يروي هذا الكتاب عن شيخه، وقد روى النسائي حديثاً من أحاديث الكتاب من طريقه. عجيب هو حال أهل المصيصة كيف اتفقوا على إغلاق محلاتهم لسماع كتاب حديث (فالحوانيت هي ما نسميه اليوم المحلات). لا شك أنهم كانوا من باب أولى يغلقونها وقت الصلاة. قال أبو داود: "كان إبراهيم الصائغ رجلا صالحا، قتله أبو مسلم بعرندس، قال: وكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيبها". غير أن الملفت للنظر اتفاقهم على الأمر، فلماذا لا نجد أحداً منهم تخلَّف فقال: أُبقي حانوتي مفتوحاً لعلِّي أحصِّل زبائن أصحابي؟ أو يقولون للشيخ: اجعل الدرس في وقت إغلاق الحوانيت الرسمي (غير أنهم راعوه فهو صياد وصاحب مهنة هو الآخر). السبب في الأمر والله أعلم أنهم فقهوا الأمر، فالمال إنما يكسبه المرء ليعيش، والعيش إنما كان لتعرف الله وتعبده على بصيرة.. قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وقال تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}. واليوم تجد كثيراً من الناس غافلين عن هذا المعنى ويعامِلون المال على أنه مقصود لذاته، وقد حدثني أحد الأخوة أنه رأى أناساً بعد قرار السماح بفتح المحلات وقت الصلاة لا يذهبون للصلاة ولا حتى يغلقون محلاتهم ليصلوا فيها مع أن الأمر ما يأخذ إلا دقائق معدودة. فقلت هؤلاء قلوبهم ملأى بالطمع، يظن أنه بهذه الدقائق المعدودة سيُحصِّل مالاً عظيماً في محله وسيفوته إذا ذهب إلى الصلاة، وما عَلِم أن مضاعفة الحسنات خير له من مضاعفة الأموال. وأن البركة التي ينالها من طاعة الله عز وجل لا يعادلها شيء، فكم من إنسان جمع مالاً وفيراً ثم كان عليه وبالاً أو أصيب ببعض ما جعله ينفق ماله في دفعه وربما يندفع وربما لا. على أننا لا نعبد الله على وجه تطلب المنفعة الدنيوية فحسب، بل الأعلى والذي إليه النظر ابتداءً نفع الآخرة {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور].