كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كيف نظر الإمام النسائي لتعدد زوجات النبي ﷺ؟

المصدر
كيف نظر الإمام النسائي لتعدد زوجات النبي ﷺ؟ النسائي صاحب السنن له كتاب في السنن الكبرى وطبع مفردًا بعنوان (عشرة النساء). وقد كان تصنيفه لهذا الكتاب من باب (ما يشغل ذهن المكلف) فإنه كان مكثرًا من النساء (ولم يُسَمَّ بالنسائي لذلك وإنما نسبةً لبلده نسا). كما أنه لما كان قاضيًا تبويباته في باب القضاء أثارت إعجاب ابن القيم في الطرق الحكمية وأشاد بها. وعودًا على موضوع النساء بوَّب النسائي في السنن الصغرى (وهو له على الصحيح، ودعوى أنه لابن السني دعوى غير قائمة) تبويبًا عجيبًا عن أمر تعدد زوجات النبي ﷺ لم أرَ أحدًا وقف عنده. قال النسائي في سننه الصغرى: "ذكر أمر رسول الله ﷺ في النكاح وأزواجه، وما أباح الله عز وجل لنبيه ﷺ، وحظره على خلقه، زيادة في كرامته، وتنبيهًا لفضيلته". ثم ذكر أحاديثَ في تزويجه تسعًا. ثم بوَّب بقوله: "ما افترض الله عز وجل على رسوله عليه السلام وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربة إليه". ثم ذكر أحاديثَ تخييره لنسائه بين المقام عنده على شظف العيش أو مفارقته، ثم ذكر أخبار إحلال النساء للنبي ﷺ قبل موته وكان قد منع. ووجه الوقفة في قول النسائي: "ما افترض الله عز وجل على رسوله عليه السلام وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربة إليه" فهو هنا يريد التعدد وليس مطلق التخيير، فإن التخيير جائز لعموم الناس، فما وجه القربة في تعدد النبي ﷺ؟ تبويب النسائي الأول فيه مشاهدة فضل الله عز وجل في الأمر على نبيه، ولكن التبويب الثاني فيه إشارة إلى وجه التعبد في الأمر، وهذا يفهمه إنسان فقيه ومعدد مثل النسائي، فالأمر له عدة وجوه والله أعلم: الأول: الصبر على النساء وعلى ما يردنه من أمر الدنيا ومسؤولية النفقات، وقد نزلت آيات الأحزاب وما بعدها وما فيها من أمر التخيير في مثل هذا، وكذلك ما يكون من أمر تعليمهن وتأديبهن، وما يكون بين الضرائر وتحري العدل في ذلك وضبط أمرهن، وتحري القسمة بينهن بالعدل. ولعل النسائي لما ذكر أمر التخيير أراد الإشارة إلى هذا المعنى، فالنبي ﷺ لما أكثرت عليه نساؤه في أمر النفقة هجرهن شهرًا ثم خيَّرهن بين المقام معه على ما هو عليه من الزهد أو مفارقته. الثاني: إعفاف هذا القدر من النساء والتزام القسم لهن مع ما للنبي الكريم ﷺ من مشاغل عظيمة ومحبته للتعبد. الثالث: نساء النبي ﷺ يرتفعن إلى منزلته وإن لم يلحقنه بعملهن، وذلك من فضل الله على عباده وهو يزيدهم من فضله بما شاء سبحانه. وكان ﷺ يوعك كما يوعك الرجلين وقيام الليل واجب في حقه فهذا مقامه في التكليف والابتلاء، وذلك يوجب مزيد تشريف إن نظرنا إلى تبويب النسائي الأول، وإذا نظرنا إلى تبويبه الثاني فإن أمر التعدد مزيد تكليف، وقد يجتمع الأمران في الدنيا، وأما تشريف الآخرة فهذا لا نزاع فيه. ولعل في الأمر تنبيهات أخرى غير أن هذا الذي حضرني الآن وأعجبتني كلمة النسائي في أنه نظر إلى الأمر من جهة أنه زيادة في أوجه التعبد والقربة.