دفاع ابن تيمية عن كتب السلف...
دفاع ابن تيمية عن كتب السلف...
من الأطروحات الفاشية في زماننا التنفير الشديد من كتب السلف الكرام بحجة غموضها أو أنها تؤدي لمشاكل عظيمة.
وكثير منهم يقول اقرأ كتب ابن تيمية أولًا، وعامة من ينصح بهذه النصيحة يعلم جيدًا أن جرد كتب ابن تيمية كاملة والمرور عليها مرارًا وتفهُّمِها هو فعلُ خواص العلماء، فكيف يجعل مثل هذا الأمر شرطًا في فهم كتب السلف التي يحتاج إليها طلبة العلم على اختلاف مراتبهم؟
بل النظر في كلام السلف يعين في فهم كثير من كلام الشيخ، وفهم حجته على مخالفيه، والأصل الذي يرجع إليه عند استشكال كلامه، وفهم ما قاله على جهة الإلزام للخصم وما قاله على جهة التقرير.
والعجيب أنهم مع هذا يزعمون ضرورية كتب جماعة من المخالفين لهم عقديًّا! سبحان الله، العقيدة الصحيحة هي رأس العلوم ورأس المال ومع ذلك أنقى مصادرها مُنفَّر منها!
وإنما يستفيد المرء من كلام المخالفين في أبواب مثل الفقه والأصول واللغة، وهذا بابٌ شركهم فيه غيرهم. وقد اتفق عامة عقلاء بني آدم -عدا بعض أهل عصرنا- أن الغلط في العقيدة أشد من الغلط في هذه الأمور، فكتاب يستقيم به لسانك وتضيع به عقيدتك هو بيع لرأس المال الثمين بثمن يسير لا يوازيه.
بل حقيقةُ طرحِ هؤلاء نسبةُ أهل الحديث للعجز عن القيام بالضروري من العلوم للخلق، وعامتهم لنشأته بين برامج علمية اتخذت كتب المخالفين أصلًا يظن هذا الظن، ولو اتسع نظره لفهم أن الأمر دون ما يظن بكثير.
قال ابن تيمية كما في جامع المسائل المجموعة الثالثة ص٨٨:
"ورأى أن في المأثور عن أولئك السلف في باب التوحيد والصفات، وباب العدل والقدر، وباب الإيمان والأسماء والأحكام، وباب الوعيد والثَّواب والعذاب، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، وما يتصل به من حكم الأمراء أبرارِهم وفُجَّارِهم، وحكم الرعيَّةِ معهم، والكلام في الصحابة والقرابة-: ما يُبيِّنُ لكل عاقلٍ عادلٍ أنَّ السلفَ المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه الأبواب إلا من جنسِ النزاع الذي أقرَّهم عليه الكتاب والسنة، كما تقدَّم ذكرُه، وأنَّ البدعَ الغليظةَ المخالفةَ للكتابِ والسنةِ واتفاقِ أولي الأمر الهداةِ المهتدين إنّما حَدَثَتْ من الأخلاف، وقد يَعزُونَ بعضَ ذلك إلى بعض الأسلاف، تارةً بنقل غيرِ ثابتٍ، وتارةً بتأويلٍ لشيءٍ من كلامهم متشابهٍ.
ثمَّ إن من رحمة الله أنه قَلَّ أن يُنقَل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقولِ المحكم الصريحِ ما يُبيِّنُ غلط الغالطين عليهم في النقل أو التأويل، وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في المِلَل، فكمالُ الإسلام هو الوسَطُ في الأديان والمِلَل، كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا} لم ينحرفوا انحرافَ اليهود والنصارى والصابئين. فكذلك أهلُ الاستقامةِ، ولزومِ سنة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وما عليه السلف، تمسَّكوا بالوسط، ولم ينحرفوا إلى الأطراف".
فالشيخ يقول إن كلام السلف (الموجود في كتب السلف) وافٍ تمامَ الوفاء بمقاصد الدين الكبرى، وإن الكلمة الضعيفة أو المشتبهة التي تصدر من بعضهم ويكون فيها غلط تجد ما يقابلها من الصواب أضعاف أضعافها، وهذا نقض لأهم شبهة في التشويش على الإحالة لكتب السلف.
وإنما نبل الشيخ في المتأخرين بإظهارِه للمخفي من كلامهم، وكثرةِ ذبه عن مذاهبهم، وبيانِ الأغاليط والتعسف في فهم كلامهم، ودفعِه اعتراضات المتكلمين على مذاهبهم، مع ما أعطاه الله من قوة البيان وفتوح عجيبة وذكاء وقَّاد وشجاعة في بيان الحق.
وكان كثير الإحالة على كتب السلف، فكيف يُنصب الخلاف بينه وبين موضوع فضَّله على بقية المتأخرين ممن عاصره أو جاء بعده.