=
=
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: "قال «ابن فورك»: «وقال -يعني: ابن كلاب- في كتاب «الصفات» في بيان القول في الاستواء: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به، يجيز قول الأين ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه، لا يجيزون الذي زعموا، ويحيلون القول به» قال: «ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهمين أنه عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان، لأنه هو الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجلب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك؟ والكتاب ناطق به وشاهد له، ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرت من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بَنية الفطرة، وتَعَارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، بل لاتسأل أَحدًا من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء، إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه، إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدّعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى «جهم» وحده وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن".
فابن كلاب يقول أن إنكار العلو هو عقيدة الجهم ومعه خمسون رجلاً فقط، ثم فجأة صارت هذه العقيدة عند بعضهم عقيدة 90% من علماء الأمة بعد القرن الثالث.
وكنت قد تكلمت على هذه الدعوى في صوتيتين بعنوان السواد الأعظم المنسي وهنا رابطهما:
1_ https://youtu.be/Q2OZmCp2TCQ
2_ https://youtu.be/9nxsTp1Tb8M
في الأولى بينت أن العلماء المؤلفين من أهل القرون الثلاث الأولى عددهم يفوق عدد مؤلفي القوم في كل القرون ممن مصنفاتهم بين أيدينا، أو يقاربه علماً، العلماء لا يحصرون في المؤلفين -فهناك علماء رواة- ولا بمن مصنفاتهم مطبوعة أو مشهورة (فهناك المغمور والمخطوط والذي أثره واضح في المطبوع لمن تدبر) ثم إن المسألة ليست عدداً فإمام مجتهد واحد بألف مقلد.
وفي الثانية تكلمت على المصنفين في الحديث في كل القرون، وكثير من الناس لا يفهم ما تقتضيه كلمة 90 % هذه، ومعناها أنه أمام كل عالم سني أو مبتدع ما بلغ ضلالة المتكلمين الكبرى لا بد أن تأتي بتسعة من المتكلمين حتى تتحقق لك هذه النسبة.
وقد نظرت للتو في آخر كتاب الاحتجاج بالآثار السلفية للشيخ عادل آل حمدان، وقد ذكر مجموعة من المؤلفات المطبوعة في العقيدة السلفية، فنظرت في أسماء المؤلفين من القرن الثالث إلى السادس فقط فظهر أن عددهم 33 (وكان عندي استدراكات)
فبدا لي أن أختبر دعوى ال 90 % علماً أن هؤلاء هم أصحاب الكتب المطبوعة، وهناك غيرهم لهم كتب مخطوطة أو مفقودة، وهؤلاء لهم شيوخ وتلاميذ مشاهير على طريقتهم، وهناك مؤلفين لم يؤلفوا عقيدة خاصة، ولكن عقيدتهم سلفية أو على الأقل لم تصل لإنكار العلو أو القول بخلق القرآن.
فظهر لي أنني لا بد أن آتي ب297 أشعرياً وماتردياً ومعتزلياً مقابل هؤلاء ال33، يكونون قد صنفوا في عقائد القوم، ومعلوم لكل عارف أن عدد المشاهير في القوم لا يصل لهذا ولا نصفه.
فكيف إذا أضفنا الناس بعد ظهور ابن تيمية وتلاميذه، وظهور الدعوة الإصلاحية في نجد، وحال السلفية المعاصرة، فسيظهر أن هذه النسبة سراب، وأنه لو تحقق نصفها فذاك إنجاز كبير جداً، فكيف إذا أضفنا القرون الثلاثة الفاضلة. علماً أن الأمر على ما شرحت ليس بالأعداد، بل هذه حجة متغيرة، فعلماء الأمة يزيدون وستتغير النسبة، علماً أن المدح تعلق بالقرون الفاضلة.
وهذا ابن عساكر المتوفى عام 571هـ يقول في تبيين كذب المفتري: "فقد قال في التبيين: "فإن قيل: إن الجم الغفير في سائر الأزمان وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري ولا يقلدونه، ولا يرون مذهبه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم".
ثم أجاب بأخبار الغربة.
وعلق عليه ابن المبرد في جمع الجيوش والدساكر بقوله: "وهذا الكلام يدل على صحة ما قلنا، وأنه في ذلك العصر وما قبله كانت الغلبة عليهم، وبعد لم يظهر شأنهم".
وقد ذكر أكثر من 400 عالم وفقيه وعابد مجانبين للأشعري ذامين له، وتذكر أنك تحتاج إلى تسعة مقابل كل واحد من هؤلاء حتى تصح لك تلك النسبة اللوذعية، وهذا كله بعيداً عن القرون الثلاثة الفاضلة!
=