العبودية المقنَّعة وسراب الحقوق والتقدم!
العبودية المقنَّعة وسراب الحقوق والتقدم!
جاء في كتاب أسس الأخلاق والتعامل للأديب والفيلسوف جون باينس وهو يتكلم عن الوضع الاقتصادي في العالم اليوم:
«لقد أدرك ذلك الفيلسوف الإغريقي الكبير منذ القدم ما كان سيصبح واحدة من أكبر الكوارث المستقبلية: عبودية الإنسان لرأس المال الرّباوي مع فقر متنكر بقناع الوفرة.
وكما نعرف اليوم، فإن هذا التكاثر المنافي للطبيعة للمال كان معروفًا في العصور القديمة على شكل فائدة تترتب على المقترضين، وأصبحت اليوم تترتب عن طريق القروض المصرفية، وهي الآلية الأساسية التي سندرسها فيما يلي. فعندما يمنح المصرف قرضًا، فإنه يكوِّن مزيدًا من المال فقط عن طريق تسجيله في حساباته.
يقدِّم المصرف قرضًا على أساس مضاعفة رأسماله ومدخراته، وهكذا فإنه يقرِض ما لا يملكه. وعندئذٍ، يصبح التعهد بالدفع قابلًا للتحويل، ومنذئذٍ يكون نقدًا ورقيًّا مجردًا زائفًا، مع أنه قانوني طبعًا. وعندما يدفع الزبون القرض، أي: عندما يُشطب القرض مع فائدته المستحقة، فإن المصرف يتلف النقد. وقد بَيَّن فريدريك سودي الذي حصل على جائزة نوبل عام 1921، أن "السمة المضادة للمجتمع الأكثر شؤمًا للعملة الورقية هي أن هذه العملة غير موجودة. فالمصارف تدين للشعب بكمية من العملة غير موجودة. وعن طريق البيع والشراء بالحوالات المصرفية، يحدث تغيير فقط باسم الشخص الذي يدين له المصرف بالمال. وفي حين يكون حساب أحد الزبائن مدينًا، فإن حساب زبون آخر يكون دائنًا، ويمكن للمصارف أن تواصل هذه لمديونية إلى ما لا نهاية”.
إن الوعد بالدفع لقاء قيمة المعدن الثمين المودع كان ابتكره صائغ عجوز من جمعية الحرفيين لرجل أودع عنده ذهبًا لكي يُحفظ في خزائنه. وسرعان ما أدرك الصاغة أن الناس الذين أودعوا الذهب يسحبون فقط نسبة 10% تقريبًا. ولذلك بدؤوا يتداولون مزيدًا من الكمبيالات مقابل ال 90% من الذهب الذي لم يتم سحبه ويفرضون فوائد على هذه التعهدات. وبمعنى آخر، إنهم يقرضون مالًا ليس لهم ويستفيدون منه، وكثيرًا ما يتم ذلك بطريقة ماكرة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الصائغ مصرفيًّا واستبدل النقد المعدني بعملة ورقية.
إن تعميم نظام كهذا يخلق النقد ويتلفه بريحه الخاص، ليصبح الريح وحده الغاية والهدف، يمكن أن يؤدي فقط إلى تشويه دائم للاقتصاد الحقيقي. ولا يهم ما إذا كان في العالم ما يكفي من مواد أولية، أو قوة بشرية مؤهلة، أو تكنولوجيا، أو وسائل نقل مناسبة؛ فإذا كان الناس لا يملكون المال لشرائها، فإن الفقر والنقص سينتشران حتمًا».
أقول: هذه الفقرة المخيفة هي مقدمة كلامه فحسب، ومعلوم كلام علماء الشرع عن إشكالية الربا والبنوك، ولكن الإشكالية في الحيل الربوية التي امتَهَنَها عدد من المنتسبين للفقه وصاروا مُفتِين لتلك البنوك، فهذا أخَّر الحلول الحقيقية وأطال عمر المأساة.
ثم يقول جون باينس:
«وإذا كان هناك الكثير من المال قيد التداول، فإن النقد يفقد قيمته وترتفع أسعار السلع إلى حد مفرط حتى أن الأكثرية الساحقة من المواطنين تجد الدفع مستحيلًا. ويقال إن هناك تضخمًا إذا كان هناك نقد متداول أكثر من السلع المعروضة، وانكماشًا إذا كان هناك سلع أكثر من النقد.
يتكوَّن النقد الموجود في السوق كله، أي المعروض النقدي (الذي يدعى M1)، من إجمالي النقد الموجود في أيدي الجمهور، إضافة إلى الأرصدة التي يضعها الناس في حساباتهم المصرفية من أجل المعاملات التجارية (حسابات جارية، حسابات مالية، إلخ.). ولكن النقد الموجود في التداول هو مجرد جزء بسيط من المخزون المالي، الذي فيه تتكون الأموال الخاصة عن طريق زيادة القروض المصرفية أكثر فأكثر من خلال وسائل الاعتماد الأكثر تعقيدًا، كبطاقات الاعتماد. إن كافة المعاملات التجارية المرتبطة بالعملة الورقية تتوسع أو تتقلص تبعًا للقروض الممنوحة من قِبل المصارف، ولكن يجب ألا ننسى أن القرض ليس نقدًا حقيقيًّا. فعندما نأخذ قرضًا مصرفيًّا، فإننا نميل إلى الظن بأن المصرف يقرضنا مالًا يملكه زبون آخر، ولهذا يتوجب علينا منطقيًّا أن ندفع فائدته. لا شيء أبعد من هذا عن الواقع؛ فحتى القرض الذي نأخذه من المصرف ليس أوراقًا نقدية، وهو، على الرغم من أنه غير قابل للتحويل إلى ذهب، فإنه، على الأقل، يحمل تظهير المصرف الذي منحه. ولكن الواقع غير ذلك، لأن ما يقرضه المصرف هو مجرد تعهد بالدفع يزيد رصيد حسابنا، وينقُص هذا الرصيد إذا وقَّعنا إشعارات مصرفية، تتعهد أيضًا بالدفع، على هذا الحساب لأناس آخرين، الذين، بدورهم، يزداد رصيدهم بهذه التعهدات عند إيداعها في أرصدتهم الشخصية. وهكذا نرى أن هذه العملة النظرية تتزايد ببساطة على شكل قيد في الحسابات ويكون وجودها وهميًّا عندما تنتقل بين رصيد دائن ورصيد مدين في دفاتر حسابات المصارف.
=
=
ولكن، ما دام المقترض ضامنًا للقرض بسلعه المادية، التي يمكن أن تُصادر في حال عجزه عن الوفاء بتعهده بإعادة المبلغ مع فوائده، فإن هذا التعهد بالدفع، في الواقع، لا يكفله المصرف، لأن المصرف لا يمكنه أبدًا أن يستخدم ودائع زبائنه على شكل كفالات. وهذا واقعي تمامًا لأنه إذا انهار المصرف، فإن المصرف المركزي أو المصرف الحكومي هو الذي يهب للمساعدة لإنقاذ الودائع. وكأننا نقول، في التحليل النهائي، إن المواطنين أنفسهم هم الذين، في نهاية الأمر، يحمون المصارف من الإفلاس، وذلك عن طريق الضرائب التي يدفعونها».
أقول: بيت القصيد السطر الأخير: المواطنون يحمون المصارف من الإفلاس عن طريق الضرائب (أي أنَّك تُقرِض الجهة التي أقرضتك بفائدة أصلًا، دون أن تعتبِر ذلك قرضًا وإنما واجبًا وطنيًّا).
ثم يقول جون باينس:
«ليست المسألة مسألة الإثراء من خلال المراباة، بل مسألة النظام المعقد لتحويل قيد الفائدة القانونية إلى نقد بواسطة كمبيالات تعهدية غير ثابتة، لأن المصرف لا يمتلك ضمانات للوفاء بهذه التعهدات. ولا شك في أن المراباة كانت منذ القدم تعتبر ضلالًا وتم تحريمها في العالمين المسيحي والإسلامي. وكان المرابي يُنبَذ أو يتعرض لعقوبات قاسية جدا كالأرقاء أو يعاقب بالموت، حتى منذ عصر قسطنطين.
وأصدر العديد من البابوات، كالبابا بيوس الخامس، أوامر ومراسيم ضد المراباة. وأصدر البابا بنيديكت الرابع عشر تحذيرًا عامًّا ضد خطيئة المراباة بيَّن فيه أن هذه الخطيئة لا يمكن غفرانها بحجة أن الربح ليس كبيرًا ولا باهظًا ولكنه معتدل وبسيط، ولا بحقيقة أن المقترض غني. فإذا تقاضى أحدهم فائدة، فإنه يجب أن يعيدها عملًا بمبدأ العدالة التي تضمن بوظيفتها في العقود البشرية العدالة للجميع. والمراباة اليوم جريمة جزائية يعاقب بسببها القانون من يتقاضون فائدة غير قانونية على القرض. ولكن إذا كان تقاضي أية فائدة ممنوعًا، فإن هذا يعني منطقيًّا أن أية فائدة مفروضة هي مراباة.
مع ذلك، تُعرّف بعض المعاجم المراباة أولًا على أنها "فائدة مفروضة لقاء مال أو سلع في عقد أو قرض تبادلي".
ولكن، مع انهيار الملكيات المطلقة وولادة الدول الليبرالية، أصبح تقاضي الفائدة على أموال القروض مشروعًا؛ ويبرر الليبراليون هذا الإجراء بالإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم على العمل الاقتصادي بمعايير غير اقتصادية، أي معايير غريبة بالنسبة لهذا العمل نفسه».
أقول: تأمَّل، في زمن تسلُّط الكنيسة كان هناك من يحميهم من الربا، وأما في زمن الحرية فقد استُرقُّوا للربا! لا أظن أن ذلك الذي ينام في الشارع أو يكدح الليل مع النهار حتى أنه لا يجد وقتًا للجلوس مع أبنائه بسبب القروض الربوية سيهِمُّه ما إذا كانت الكنيسة على حق أو جاليليو في شأن دوران الأرض، ولكنه سيهِمُّه جدًّا أن يكون هناك ما سيخلِّصه من هذا السجن، الإعلام الليبرالي ناجح جدًّا في تصوير الاسترقاق للمؤسسة الرأسمالية على أنه أعلى صور الحرية باستخدام فزَّاعة الدولة الدينية المتطرفة!
ثم يقول جون باينس بعد أن نقد الليبراليين:
«فلا يمكن، من الناحية الأخلاقية ومن وجهة النظر التي سرنا عليها في هذا الكتاب، أن يكون طبيعيًّا ولا ملائمًا أن تعيد الأموال المرتقبة إنتاجَ نفسها. وبالتالي، تُرَتِّبُ بصورة منهجية، ديْنًا على المجتمع بكامله. وكما قلت آنفًا. فإنه يستحيل أن يدفع المرء مقابل مبررات مفترضة.
والمشكلة الأكثر خطورةً في هذا النظام المالي لا يمكن، بأية حال، أن تكون كامنة في تقاضي الفائدة، ما دامت معتدلة وما دام القرض من الأموال التي تخصُّ المصرف بدلًا من التعهد بالدفع دون أية ضمانة مهما كانت، وعلى الأصح، إن هذه المشكلة تكمن في إمكانية أن يبتدع نقدًا زائفًا، وإن يكن قانونيًّا، ويتقاضى فائدة عليه. علاوة على ذلك، ودون الخوض في الآليات المفرطة التعقيد للهندسة المالية، يمكن للمصرف أن يستخدم هذه الهندسة لمضاعفة أرباحه دون حدود تقريبًا. فقد قام بعض الخبراء بحساب الأرباح الحقيقية لمصرف ما: واكتشفوا أنها تصل إلى 16.200%، وذلك باستخدام المثال التالي لمعاملة تجارية نموذجية:
(أ) بـ 100 وحدة نقدية تعود لطرف ثالث، تم فتح قرض لـ 900 وحدة.
(ب) تدفع هذه الـ 900 وحدة فائدة 9%، مما يعني مردودًا صافيًا مقداره 81 وحدة بعد سنة واحدة.
(ج) يعطي المصرف للشخص المودع فائدة مقدراها 0.5%، وتختلف حسب المدة، مما يعني أن ال 100 وحدة هذه، التي تكلف المصرف 0.5% وحدة سنويًّا، جعلته يربح 81 خلال الفترة نفسها.
(د) وبإجراء عملية حسابية مماثلة (81 : 0.5) نحصل على مبلغ 16200. »
=
=
ثم قال جون باينس:
«أنا، شخصيا، لا أريد أن أعلق على النسبة أعلاه. ولكن على سبيل تقديم معلومات مشابهة، سأقدِّم مثالًا لحالة مصرف في أحد بلدان أمريكا اللاتينية يُعتبر اليوم نموذجًا اقتصاديًّا. فالمصارف، في ذلك البلد، مرخّص لها من قِبل المصرف المركزي بأن تقرض حتى 20% من رأسمالها الخاص، مما يعني أن المصرف يمكن أن يقرض حتى 20 مقابل الوحدة النقدية التي يساهم بها المساهمون في المصرف. ولا شك في أن هذا عمل تجاري مربح، وخصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار نقص التمويل الحقيقي للقرض بالعملة الورقية. وسأمضي إلى أبعد من ذلك، وأفترض أن ميكانيكا القرض يجب أن تكون متشابهة في جميع البلدان.
وفي كل الأحوال، من الضروري تخفيض نسب الفائدة إلى حد كبير لكي لا تبقى معاملة الدين غير متناسبة ومضادة للطبيعة، رغم أن معدل فوائد الصناعة العالمية سخيف بشكل واضح. ولهذا، فإن الشر الحقيقي للنظام يكمن ليس فقط في معدل الفائدة المفروضة بل أيضًا في الآلية المعقدة لخلق النقد الحقيقي اللازم لفرض الفائدة. وهذا ما دفع السير جوسيا ستامب، رئيس مصرف إنكلترا، إلى أن يعلن عام 1920 أن المصارف حُبلى بالظلم ومولودة في الخطيئة، وما دام يُسمَح لها بخلق النقد من خلال القروض، فإنها سوف تستولي على الأرض ويتحول جميع الناس إلى عبيد. لقد كان السير جوسيا ستامب يعرف تمامًا ما يقول. ففي ضوء السلطة التي تتمتع بها المصارف، لا يجد المرء صعوبة في تقدير التأثير الذي يمارسه الخلق الزائف للنقد على اقتصاد كوكبنا. ومما لا شك فيه أن المصارف في بلد ما يجب أن تخضع لأنظمة المصرف المركزي في ذلك البلد. وهناك مجموعة من الالتزامات المترتبة على المصارف التجارية تتراوح من الاحتفاظ بـ كوتا (حصة) احتياطية نقدًا إلى الالتزام النهائي بالمساهمة الضرورية للدولة لتمويل احتياجاتها. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المجموعة الكاملة من الالتزامات لا تُضعف العمل الخرافي ولا تمنع التشويهات التضخمية والانكماشية التي تحدث في السوق عن طريق خلق هذا النقد الزائف وسحبه».
أقول: وحقًّا الأمر أعقد مما نتصوَّر وأكثر ضررًا مما نتخيَّل، ونَقَل جون عن بعض الفلاسفة قوله: "إذا كنتُ أملك المال فلن أبالي من سيحكُم".
الأنظمة الاقتصادية الحديثة فيها ظلم منظَّم لا تنتبه له المنظمات الحقوقية الساذجة، وإنما تحاول معالجةَ بعض آثاره بطريقة ضعيفة التأثير، ولهذا كان كثير من النضال الحقوقي لا يعالِج المشكلة الحقيقية بل أحيانًا يَعتبِر تحقيق المشكلة أحد أهداف النضال، فيضع النموذج الغربي نموذجًا محتذًى به في كل شيء.
بين وسيم يوسف والنصير الطوسي (حين يتحوَّل الجلاد إلى ضحية)
يقلِّد وسيم يوسف العالمانيين في صورة ينشرونها فيها عدة أسماء (ابن سينا والفارابي والخوارزمي وثابت بن قرة والنصير الطوسي وابن رشد)..
ويكتبون فوقها "أمة تقتل علماءها"، علمًا أن عامة هؤلاء ما ماتوا مقتولين، وقد تعاملْت مع هذه الشبهة في مقالي (خرافات علمانية)، ومع كون بعض هؤلاء ما كان مسلمًا أصلًا مثل ثابت بن قرة الذي كان صابئيا ولَم يعرض له أحد بشيء..
لكن لفت نظري ذِكر النصير الطوسي بين هؤلاء (الذين ظلمتهم الأمة)!
جاء في كتاب قصص العلماء ورسالة سبيل النجاة للتنكابني ص٦٤١:
"وحاصل الكلام في الخواجة نصير الدين الطوسي: أنه قد بلغ غاية المجادلة في إحياء مذهب الشيعة، وكان عند مناقشته لعلماء العامة في الإمامة يُلزمهم وإذا ألزمهم يرى إن اختاروا التشيع فحسن جدًّا وإلا كان يقطع رؤوسهم".
ويقول محمد التنكابني أيضا:
"وكان [يقصد النصير الطوسي] يعتقد في بداية الأمر أن كل من لا يستطيع أن يثبت التوحيد وسائر الأصول الحقة بالبرهان فهو مشرك واجب القتل، ولذا كان يؤدب الكثير من الناس ويقتل من لم يتعلم، إلى أن كان في وقت في صحراء فرأى شخصًا يزرع، فقاد الخواجة فرسه متوجهًا نحوه وقال له: الله واحد أم اثنان؟ قال: واحد. فقال له الخواجة: إن قال شخص أنه اثنان بماذا تجيب؟ قال: أضربه بهذا الجاروف وأشق رأسه قسمين. فعلِم الخواجة أن المزارع راسخ الاعتقاد، وعدَل عن رأيه، وعلِم أن العلم بالبراهين الفلسفية ليس شرطًا ويكفي اليقين".
المصدر: قصص العلماء ـ ترجمة: مالك وهبي ص644
ويقول محمد التنكابني أيضا:
ويقال: إن الخواجة ذهب إلى شيراز ونزل في طبقة عالية، وعندما سمع سعدي بأن الخواجة في شيراز ذهب لزيارته فصعد الدرج وهو يقول: "علي" عند كل درجة، وعندما وصل إلى الخواجة سلَّم، فسأله الخواجة: أنت الشيخ سعدي؟
قال: نعم.
قال له: أنت سني أم شيعي؟
قال: شيعي.
قال له: إذا كنت شيعيًّا، فلماذا مدحت الخلفاء؟
قال: تقية.
فقال الخواجة: لقد قتلنا المستعصم العباسي منذ مدة، فممن كنت تتقي ولماذا رثيته وقلت:
حق على السماء أن تبكي دمًا على الأرض في عزاء الملك المستعصم أمير المؤمنين.
فلم يملك سعدي جوابًا، فأمَر الخواجة أن تُربط قدماه وتضربا حتى غطَّى بدنه صغار الخشب، ثم حُمِل وأُخِذ إلى بيته، وعاش بعدها سبعة أو ثمانية أيام تقريبًا ثم حُشرت روحه مع روح المستعصم العباسي.
المصدر: قصص العلماء ـ ترجمة: مالك وهبي ص645
وقد اعترف محققهم محمد بن إسماعيل المازندراني الخواجوئي بقتل النصير الطوسي مَن يرفض التشيع من أهل السنة، فقال في كتابه (الرسائل الاعتقادية/ المجموعة الأولى) في رسالته بعنوان (بشارات الشيعة)(ص72): "وأيضًا من المشهور الذي لا يُدفَع أن صاحب التجريد صاحب السيف والقلم وزير الحضرة السلطانية الإيلخانية هولاكو خان، قد قتل في تَرك الرفض من العامة المخالفين والطائف الناصبين من قتل".
وحتى علامتهم محمد حسن النجفي -الذي انتهت إليه رئاسة المذهب في وقته- (جدُّ الشاعر الجواهري) تعرض لقول محققهم الأردبيلي الشاذ المخالف لما هو ثابت في المذهب، وردَّ عليه باستنكارِ قولِه مقارنًا له بفعل النصير الطوسي وعلامتهم الحلي باستباحة دماء المسلمين، فقال في كتابه (جواهر الكلام)(22/63): "وما أبعد ما بينه وبين الخاجه نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم ممن يرى قتلهم، ونحوه من أحوال الكفار، حتى وقع منهم ما وقع في بغداد ونواحيها".
وهذا محمد باقر الخوانساري ذكر في ترجمة الطوسي قيامه بتلك المجزرة، وراح يتفاخر بفعله ذاك مُظهرًا التشفي بدماء المسلمين، فقال في كتابه (روضات الجنات)(6/279): "ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية، استيزاره للسلطان المحتشم في محروسة إيران هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان من عظماء سلاطين التاتارية وأتراك المغول، ومجيئه في موكب السلطان المؤيد، مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، وقطع دابر سلسلة البغي والفساد، وإخماد نائرة الجور والإلباس بإبداء دائرة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار، ومحل الأشقياء والأشرار". (هذه النقولات مستفادة من سيد مازن وَعَبد الملك الشافعي، وكلاهما شيعيٌّ مُهتدٍ).
فتأمل كيف أن حقد العالمانيين ومعهم وسيم يوسف جعلهم يحوِّلون سفَّاحًا سفَّاكًا للدماء لضحية فقط نكايةً في أهل الإسلام، ويتفاخرون به في سياق حداثي.
=
=
وكنت قد قلت في مقالي (خرافات علمانية) معلِّقًا على موضوع حرق كتب ابن رشد: ومع الأسف كتبه الفلسفية وكتب ابن سينا والفارابي كلها موجودة إلى اليوم، فذلك التضخيم السخيف الذي يتحدَّث عنه القوم لا وجود له، بل إن التتر لما دخلوا بغداد فُقِد شيء كثير من كتب العلم، وكان النصير الطوسي يحرق كتب العلم ويُبقي على كتب التنجيم والفلسفة، وهذه حركة معاكسة وهي أقوى من جهة القوم والأثر.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (13/207): "وكان الطوسي مُنَجِّمًا لهولاكو اسْتَوْلَى على كُتبِ الناس الوَقْفِ والمِلْك، فكان كُتُبُ الإسلام مثل التفسير والحديث والفقه والرقائق يُعْدِمُهَا، وأَخَذَ كُتُبَ الطب والنجوم والفلسفة والعربية، فهذه عندَه هي الكتب المُعَظَّمَة".
فلماذا لم يصِر جميع الناس فلاسفة وأطباء ومنجِّمين؟!
وابن رشد كان مُعظِّمًا للسفاح ابن تومرت، ونصير الشرك الطوسي كان صديقًا للتتر مما أكسبه قوة وسلطة حين كان علماء أهل السنة وعامة المنتسبين للإسلام يذوقون الويلات من التتر، يقتلون علماءهم ويحرقون كتبهم.