كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ما غفلنا عنه عند معالجة الشبهات وتعديد محاسن الشريعة.

المصدر
ما غفلنا عنه عند معالجة الشبهات وتعديد محاسن الشريعة. الاعتراف بالحق خير من التمادي في الباطل، وإنما أكتب ما أكتب نصحًا للأخوة المشتغلين في مجال الرد على الشبهات وتعديد محاسن الشريعة، وقد رأينا من كثير منهم تواضعًا وانقيادًا للحق أطمعنا فيهم، وأنا نفسي كنت قد وقعت قديمًا في بعض ما سأنبه عليه الآن فأنا هنا لا أستعلي وإنما أعترف وأنصح. الناس اليوم يكثر فيهم التفكير الحدي البعيد عن التوازن، خصوصًا الشباب، لهذا يفشو فيهم الوسواس، وهذا له أسباب عديدة ليس هذا محل بسطها، غير أنَّا عند معالجة الشبهات وتعديد محاسن الشريعة غفلنا عن هذه الحقيقة، وغفلنا عن المنظومات المنحرفة التي كنا نُحاكِم لها ونتنزَّل مع أهلها، ولو عمدنا إلى نقضها ومحاكمتها مباشرة لارتحنا من كثير من الجدل الفرعي، وسأضرب أمثلة ليتضح بها المقال: أولًا: في ملف المرأة تحدَّث كثيرون عن حقوق المرأة في الإسلام والفرق بين حالها في الإسلام وحالها عند أهل الملل الأخرى وكذلك حالها عند الملاحدة، وأجاد كثيرون في ذلك إجادة عظيمة، غير أن الذي غفلوا عنه أن الشبهة إنما تولدت من الاحتكام لمنظومة المساواة المطلقة بين الجنسين، فصار كثير من تعديدنا لمحاسن الشريعة وكأنه تقرُّبٌ لهذه المنظومة، وكأننا نقول: نحن الأفضل لأننا الأقرب لهذه المنظومة، والواقع أن هذه منظومة فاسدة متناقضة تُخالِف الشرع والفطرة بشكل قطعي، ومع الأسف عند ضعف التنبيه على إشكالية هذه المنظومة مع التنبيه على المحاسن التي صارت في أعين كثيرين محاسنَ لأنها قاربت هذه المنظومة؛ ظهر عندنا من يرى أن على الشريعة أن تبقى سائرة مع هذه المنظومة حتى تتسق مع نفسها، ومن هاهنا عادى مَن عادى منهم الفقهاء، وأنكر من أنكر منهم السنة، وتشحرر منهم من تشحرر (نسبة إلى محمد شحرور)، وظهر من ألحد لأنه رأى في الشريعة تناقضًا كيف أنها تارةً تمشي مع هذه المنظومة في ظنه وتارة تُناقِض هذه المنظومة المساواتية! والواقع أن الشريعة لا تحفل بهذه المنظومة أصلًا. وظهر عندنا في بعض من يُعَدُّ من حذاق طلبة العلم من يطرح سؤال (ماذا قدم الإسلاميون للمرأة؟) والواقع أن هذا السؤال يعكس هيمنة تلك الفكرة على العقل، وكأنَّ المرأة كائن مقدس على من يسميهم بالإسلاميين أن يرضوه، بل البحث الحقيقي ماذا قدم الرجل والمرأة لهذا الدين العظيم، ماذا بذلا لرضا خالقهما الذي منَّ عليهما بالوجود وكل نعمة تابعة لذلك. وظهر في بعض المتدينات تتبُّعُ الرخص المسايِرة للأهواء، لأن معيار تمييز الحق والباطل عندها صار ما تسمِّيه (تكريم المرأة) وتعني به السير على ما تحبه هي، حتى أنني أذكر أن بعض مشايخي كنت أتأسف على عدم معرفة عامة طلبة العلم بطريقته في الفقه لأنه كان يُعنى بالآثار جدًّا، ومع تعظيمه للدليل ونفرته من المذهبية بصورتها المتأخرة إلا أنه كان يُحذِّر باستمرار من الجرأة على مخالفة الفقهاء المتقدمين (والتي ظهرت في بعض الهنود واليمانيين ممن فشت تصانيفهم بين الطلبة)، وكنت أزعم أنه لو فشت طريقته لارتحنا من تشغيب أدعياء التمذهب. هذا الشيخ فجأة وجدت اسمه ينتشر في حلق القرآن النسائية ودور تحفيظ القرآن النسائية والمعاهد الدينية، فلما استخبرت عن الأمر وجدت أنه أفتى بفتيا تتعلق بأمر الزينة توافق هوى النساء فانتشر اسمه بينهن مع الفتيا، وصارت الفتيا تتناقل كما تتناقل أعز الفوائد وأنفسها بين خواص طلبة العلم! ولو أننا منذ البداية نبَّهنا على فساد أصل المساواة المطلقة وأن المعول على علاقة المرء بربه وكيف يقيمها كما يريد الله وأن هذه الدنيا ليست خلودًا بل دار اختبار لذا لا يكون كل ما فيها على الهوى ومَن طلب ذلك فقد طلب مستحيلًا وأن الغنم بالغرم؛ لارتحنا ولصار الكلام في المحاسن والجواب عن الشبهات تحصيل حاصل كثيرٌ منه من باب بيان تناقض أهل الباطل فحسب. =