كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل يمكن أن تكون الثياب من الزينة الممنوعة؟

المصدر
هل يمكن أن تكون الثياب من الزينة الممنوعة؟ يوجد الآن جدلية متعلقة بثياب النساء وهل يجوز أن يلبسن ثيابًا ملونة بألوان عديدة متداخلة ومتناسقة أو عليها نقوشات وتطريزات؟ ذهب بعض الناس إلى أن هذا جائز فقالوا إن المنع من ذلك أمر أعجمي محدث! وقد رد الأستاذ حسام عبد العزيز على هذا وغيره، وذكر كلامًا للعديد من الفقهاء وشراح الحديث ينصُّون على أن الألبسة قد تكون في نفسها زينة ممنوعة في عدد من الأحوال. من أراد مقاله فليراجعه فقد نشره على الفيس بوك. فأعمد لإضافة أقول فيها: لا شك أن الثياب مطلقًا تسمى زينة {خذوا زينتكم عند كل مسجد} غير أن هذا لا يبيح كل لبس، فقد عُلِم أن هذه الآية نزلت في لبس الرجال، ومع ذلك معلوم أنه محرم عليهم لبس الحرير وما فيه تشبه بالنساء، وفيه شروط كستر العورة. وكذلك قوله تعالى في النساء {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} فسر ابن مسعود الزينة بالثياب، ولكن هل هذا يعني جواز كل ثوب؟ أم أن بعض الألوان كالأحمر الفاقع على سبيل المثال لا يرتاب أحد في المنع منها أمام أحد الأجانب؟ وقد قال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن}، فعُلِم أن الزينة درجات. وقال النسائي في سننه بسند عن أخت حذيفة قالت: خطبنا رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين، أما إنه ليس من امرأة تحلت ذهبًا تظهره إلا عُذِّبت به». فتلاحظ أن الفقهاء استفادوا من هذا الحديث حرمة إظهار الحلي والذهب ولو من فوق الثياب. والآن لنأتِ لموضوع الثياب الملونة، للفقهاء كلام في إحداد المرأة، ومعلوم أن المرأة في الإحداد تُمنع من لبس كل زينة كانت تتشوف بها لزوجها، وفي هذا الموطن تجد كلامًا للفقهاء في تفصيل الثياب الملونة التي تعتبر زينة زائدة والتي لا تعتبر. قال العمراني في البيان: "وأما الثياب المصبوغة: فينظر فيها: فإن صبغت للزينة؛ كالأحمر، والأصفر، والأزرق الصافي، والأخضر الصافي.. فيحرم عليها لبسه. وقال أبو إسحاق: ما صبغ غزله، ثم نسج.. يجوز لها لبسه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا ثوب عصب» و(العصب): ما صبغ غزله، ثم نسج. والمذهب الأول؛ لأن الشافعي -رَحِمَه الله تعالى- نص على: (أنه يحرم عليها لبس الوشي وعصب اليمن والحبر). وهذه صبغ غزلها، ثم نسجت. ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر ولا الممشق». ولم يفرق. ولأن الثياب المرتفعة: هي التي صبغ غزلها، ثم نسجت، والتي دونها: هي التي نسجت، ثم صبغت، والخبر نحمله على المصبوغ بالسواد. و(الممشق): ما صبغ بالمغرة. وأما ما صبغ للوسخ، كالأسود، والأزرق المشبع، والأخضر المشبع.. فلا يحرم عليها لبسه؛ لأنه لا يصبغ للزينة، وإنما صبغ لنفي الوسخ، أو ليدل على الخزن. وأما [الثانية]: الثياب التي عليها طرز: قال الشيخ أبو إسحاق: فإن كانت الطرز كبارا.. حرم عليها لبسها؛ لأنها زينة ظاهرة أدخلت عليها، وإن كانت صغارا.. ففيه وجهان: أحدهما: يحرم عليها، كقليل الحلي وكثيره. والثاني: لا يحرم عليها لبسها؛ لخفائها. قال الصيمري: ولا تلبس البرود المنقوشة، ولا القرقوبي من المقانع والوقايات؛ لما فيه من النقش". انتهى كلامهم هذا في المحتدة التي لا تخرج، فإذا نظرنا في تأصيلهم في زينة المحتدة ونزَّلناه على زينة الخروج في غير المحتدة وجدناه يلتقي تمامًا مع تأصيلات المانعين من خروج المرأة بثياب مطرزة أو فيها ألوان متداخلة لافتة للنظر. وتأمَّل حديثهم عن ألوان مثل الأصفر والأخضر، وهذا التفصيل في نفسه تدل عليه معاني الشريعة العامة. علمًا أن التي تخرج ينبغي أن تحتاط أكثر من المحتدة لأن أنظار الرجال تتجه إليها. فهل يعقل أن نمنع المحتدة وهي جالسة في البيت من لبس الأخضر والأصفر إذا كان لافتًا للنظر ثم نبيح للشابة أن تخرج بهذه الألوان وتقع أنظار الغرباء عليها وهي بهذا اللبس؟ وأنا ذكرت كلام العمراني مثالًا، وإلا فهذا المعنى موجود في كلام عامة الفقهاء، قد يختلفون في بعض التفاصيل ولكن المعنى العام واحد. قال ابن قدامة في المغني: "القسم الثاني: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الأحمر، وسائر الملون للتحسين، كالأزرق الصافي، والأخضر الصافي، والأصفر، فلا يجوز لبسه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تلبس ثوبًا مصبوغًا». وقوله: «لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق». فأما ما لا يُقصد بصبغه حسنه، كالكحلي، والأسود، والأخضر المشبع، فلا تُمنع منه؛ لأنه ليس بزينة". تأمَّل قول ابن قدامة "ليس بزينة" مع أنه مشمول بمعنى (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ومشمول بمعنى (إلا ما ظهر منها)، ولكنه يقصد الزينة من النوع الخاص، ومن هنا دخل الخلل على من أباح الألوان مطلقًا، دخل من ظنه أن الزينة درجة واحدة. الاستدلال برؤية الأطفال على جواز رؤية الرجال! تتمة للإفادة التي ذكرتها بالأمس في أمر لبس المرأة للألوان، هناك بعض الاستدلالات الغريبة التي يستدل بعضهم بها، حتّى يُجَوِّزوا لبس النساء للمعصفر (ثياب لمّاعة) وهن خارجات! قال الشيخ محمد محمود آل خضير في مقال له في الموضوع في الفيس بوك: رابعا: أكثر الآثار المذكورة هي في لبس الألوان في البيت أو اطلاع المرأة أو الصبي على ذلك، فإيرادها تكثُّر لا فائدة منه. ومن ذلك قول أم شيبة، ومعاذة: "رأيت على عائشة ثوبا معصفرا". وقول عائشة بنت سعد قالت: "كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحرمن في المعصفرات". وكذا قول فاطمة بنت المنذر: "أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة". وقول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق "أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة" .وفي رواية عن القاسم: "أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة". فليس في هذا أنهن كن يخرجن به، بل فيه بيان جواز لبس المعصفر أي المصبوغ بالعصفر للمحرم. والقاسم ابن أخ لعائشة رضي الله عنها، فهو من محارمها الذين يدخلون عليها. وكذلك ما جاء أن علقمة والأسود كانا يدخلان على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيراهن في اللحف الحمر. فهذا في بيتها. وعن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. فليس في ذلك أنها كانت تخرج بهذه الثياب. وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). فإن سعيد بن جبير مولود سنة ست وأربعين، فإن كان قد شاهد أم سلمة وهي آخر من مات من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وذلك سنة ٥٩هـ، فإن عمره آنذاك ثلاث عشرة سنة. وإن كان قد شاهد غيرها، ممن مات قبلها، فقد كان عمره أقل من ذلك. خامسا: وأما ما رواه البخاري عن ابن جريج أخبرنا قال: (أخبرني عطاء كنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير. قلت وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء, وما بيننا وبينها غير ذلك. ورأيت عليها درعا موردا). فهذا أيضا ليس فيه خروجها بهذه الثياب، وإنما كان ذلك وهي معتكفة (مجاورة) في جبل ثبير. وعطاء كان صبيا. وتأمل حشمة أم المؤمنين وصيانة نفسها وامتناعها عن الاختلاط في الطواف. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨١): "قوله (درعا موردا) أي قميصا لونه لون الورد. ولعبد الرزاق (درعا معصفرا وأنا صبي) فبين بذلك سبب رؤيته إياها. ويحتمل أن يكون رأى ما عليها اتفاقا" انتهى. وهذا يؤكد أنها لم تكن تخرج به في الطرقات، ولهذا يبحث العلماء عن توجيه لرؤية عطاء لها وهي لابسة لهذا القميص. ثم نقول: على فرض أن امرأة خرجت بالمعصفر، فإنها لا تمنع من ذلك كما تقدم، ما لم يكن لافتا. سادسا: الثوب المعصفر، هو المصبوغ بالعصفر، والصبغ به يُخرج لونا أحمر أو برتقاليا، فإن كان خفيفا، أو كان الثوب قديما، قيل له: مورد، أي لونه يشبه الورد. قال البخاري في صحيحه: (لبست عائشة رضي الله عنها وهي محرمة وقالت: لا تلثم ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس، ولا زعفران) وقال جابر: (لا أرى المعصفر طيبا) ولم تر عائشة بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة). كما روى عبد الرزاق في مصنفه قال: قال: اخبرنا ابن جريج قال: أَخبرني عطاء، انه منع ابنُ هشام النساءَ الطواف مع الرجال، فاخبرني وقال: كيف تمنعهن الطواف؟ وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال. قلت: أبعد الحجاب؟ قال: إِي لعمري أدركت لعمري بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لَمْ يكن يفعلن، كانت عائشة تَطُوفُ حَجِزَةً من الرجال لا تخالطهم، فقالت امراة معها: انطلقي بنا يا أمَّ المومنين نستلم فجذبتها وقالت: «انطلقي عنك» وَأبت أَنْ تستلم، وكن يخرجن مستترات بالليل، فيطفن مَعَ الرجال لا يخالطنهم قال: ولكنهن إِذا دخلن البيتَ سترن حين يدخلن، ثم أخرج عنه الرجال قال: وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثَبِيرٍ، قلت: فما حجابها حينئذ؟ قال: هي في قُبَّةٍ لها تركية عليها غشاء لها، بيننا وبينها قال: ولكن قد رأيت عليها درعا معصفرا وأنا صبي". = = وفائدة النص فيما يخص المعصفر أمرين: ١) أنه ليس طيبا، فهناك من منعه لكونه طيبا عنده، والمحرم ممنوع من الطيب. ٢) أنه زينة، والمحرمة ليست ممنوعة من الزينة فلها أن تلبس الحلي، بخلاف المعتدة فقد نُهيَت عن المعصفر وعن الحلي. وقال ابن المنذر: "أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة" الفتح (٩/ ٤٩١). فالمحرمة لها لبس المعصفر. وليس في هذا تعرض لكونها تخرج به أو لا تخرج فيه، وإنما المراد جوازه مع الإحرام. فلا يُظن أن هذه الآثار جاءت لبيان لون الثياب! وإنما جاءت لبيان أن المعصفر ليس ممنوعا للمحرم، بخلاف المصبوغ بالورس والزعفران؛ لأنهما طيب. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٠٥): "قوله: (ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة) وصله سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة، إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي من طريق بن أبي مليكة أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة. وأجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم. وعن أبي حنيفة العصفر طيب وفيه الفدية" انتهى. أقول: نقلت كلامه كاملًا وفيه الزائد عن الحاجة للتنبيه على أمر وهو أن المستدِلَّ يستدل برؤية الأطفال للنساء في بيوتهن على جواز رؤية الرجال لهن وهن خارجات على ذلك، وهذا خلل منهجي، فحين يقول الراوي كنت أدخل مع أبي أو عمي أو فلان على أمهات المؤمنين، فقصده واضح من ذلك، فالرجل يكلمها من وراء الحجاب وأما الطفل فيسمح له بالدخول عليهن، وهذا مشاهَد إلى يومنا هذا ومتكرر، ومن العجيب استدلاله بخبر أنس في البخاري «أنه رأى على أم كلثوم عليها السلام، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، برد حرير سيراء» يعني مخطط، وأنس لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عمره عشر سنوات وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، أي أنه كان طفلًا ويدخل عليهم ويخرج، فهذا الذي رآه على أم كلثوم لا يراه إلا من هو مثله، لهذا كان يحدِّث به، ولو كانت تخرج به لرآه كل الناس وما احتاج أن يحدث به. وكذلك الإحرام بالمعصفر، فالمعصفر لا يعقل إظهاره لكل الناس والمراد جواز لبسه وإن لبس فوقه ما يستره فإذا جلست مع النساء أظهرته بدليل خبر ابن عمر: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا أو خزا أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا. فهل (السراويل) مثلًا مما تظهره النساء للناس؟ أم تلبس فوقه شيئًا؟ وهل القميص الذي يباشر الجسد بحيث لو لم تلبس شيئًا فوقه سيصف جسمها مما تظهره للناس؟ وكذلك لو قيل هل يلبس المحرم التبان بالنسبة للرجال؟ الكلام على ملابس المحرم الظاهرة والباطنة وما يجوز له لبسه وما لا يجوز باب مختلف عما يجوز إخراجه للناس أو للأجانب.