من نفائس ابن تيمية: منكرو محبة الله لخلقه معطلون لأصل الدين...
من نفائس ابن تيمية: منكرو محبة الله لخلقه معطلون لأصل الدين...
قال ابن تيمية في قاعدة في المحبة ص51: "وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال.
وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان. وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه.
وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله.
وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين، بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه".
تأمل وصفه لمن ينكر المحبة ويتأولها بالإنعام بأنه معطل لأصل الدين، حتى أن بعضهم أنكر أن الله ينعم على الكفار لأن الإنعام والمحبة عنده شيء واحد، ونفر من القول بأن الله يحب الكفار.
والحق أن الثواب والإنعام من مقتضيات المحبة، غير أن المحبة أمر أعلى، وعامة الناس يدركون معناها فطرة فإذا سمعوا (يحبهم ويحبونه) تحركت قلوبهم.
حقيقة مذهب المعطلة أنه ليس لله وجه يرى، ولا له كلام يسمع، ولا يقترب من عباده (حساً) ولا يقتربون منه، والنار والجنة ومن فيهما لا شيء منها أقرب إلى الله (حساً) من الآخر.
هذا هو حقيقة مذهب المعطلة بما فيهم الأشعرية والماتردية، وليس لازم مذهبهم بل هو مذهبهم كما هو ولا يمكنهم إنكاره، ولكنهم لا يعبرون عنه بألفاظ صريحة لعلمهم بنفرة النفوس من هذا، وأنك متى قلت للناس هذا قالوا أنت منكر لوجود الله على التحقيق، هذا مع اجتهادهم في التنفير من الإثبات بحجة التجسيم، يخوفونك من التجسيم حتى تعدم مهابة الله في قلبك ويذهب كل رجاء ترجوه.
ولذلك تجد النصراني يتكلم عن المحبة، والرافضي يتكلم عن المحبة، والقبوري يتكلم عن المحبة، وكلهم محبتهم متعلقة بمخلوقات مصورة يرونها، لأنه يغلب عليهم أنهم إما ينكرون أن لله وجهاً أو تركن نفوسهم للقريب كعباد الأوثان.
والمرء كلما استحضر قرب الله واستحضر أسماءه وصفاته كما ينبغي كلما استشعر قربه، ولذلك من المنافع الدينية والدنيوية على النفس والبدن ما لا يحصيه إلا الله.
ترى اليوم أناساً يثنون على اعتقاد اليهود بالهيكل لأنه صيرهم دولة قوية، أو يثنون على اعتقاد الرافضة بالمهدي المنتظر لأنه صيرهم دولة قوية، ومع ما في هذا الطرح من مغالطة فالفريقان أجرموا جرائم عديدة تليق بالخرافة، إلا أنك إذا كنت تعقل أثراً إيجابياً لعقيدة فاسدة فكيف يستقيم في عقلك أن العقيدة السليمة ليس لها أثر إيجابي في الدنيا والآخرة.
وقال ابن تيمية في الرد على الشاذلي ص255 : "وقد أنكرت الجهمية والمعتزلة والكُلاَّبية وغيرهم ومن اتبع هؤلاء من الفقهاء محبةَ ذاتِ الله وقالوا إنَّ ذات الرب لا تُحَب وإن ما ورد به الشرع من محبته فالمراد به محبَّة طاعته ومحبة الربِّ للعباد معناها إثابته أو إرادة إثابته.
وعلى هذا القول قُتِلَ الجعدُ بن درهم حين ضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْري والقصة مشهورة، والعلة هو إنكار المحبة والكلام، ضلَّ من ضلَّ من طوائف أهل البدع والكلام.
ومن أنكر أن الله يُحِبُّهُ عبادهُ ويُحِبُّ عبادَه فقد أنكر أصل ملة إبراهيم وهذا قد وقع فيه طوائف من المشهورين بالعلم في كتب أصول الدين وغيرها وأضافوا فيه من الأصول الفاسدة التي تلقوها عن الجهمية".
واليوم ما أكثر ما يذم الناس (خطاب الكراهية) ويمدحون (خطاب المحبة) ويقصدون محبة المخلوق وإن كان فاجراً أو كافراً مع تضييع محبة الخالق ولا حول ولا قوة إلا الله.