خطورة وضع عقيدة الجهمية في مقابل النصرانية على أنها عقيدة أهل الإسلام أو عقيدة م
خطورة وضع عقيدة الجهمية في مقابل النصرانية على أنها عقيدة أهل الإسلام أو عقيدة معتبرة عندهم ...
جي داير ( أشهر أورثودوكسي حاليّا تقريبا ) ناظر أسرار رشيد (ماتردي بريلوي الذي ناظر عبدالرحمن حسن الصومالي)، والمناظرة باللغة الانجليزية، ولها من الصّدى هناك نحو ما حصل في ديار العرب من مناظرة الدكتور منقذ السقار مع رشيد حمامي.
كثير من الحالمين يعتقدون أنّ عقيدة الماتردية أو الأشعرية يمكن أن تصطف جنباً إلى جنب مع العقيدة السلفية في مقاومة الإلحاد والنصرانية، وليس الأمر كذلك في باب الصفات فقد يوجد تقاطع في نقد النصرانية أو إثبات النبوات ولكن في باب الصفات الأمر مختلف تماماً.
والذي ينبغي أن يعتقد كل سلفي -وهذه عقيدتهم حقاً- أنّ قولهم الحق وما سواه باطل وبالتالي لا يمكن أن يدافع الحق عن الإسلام كما يدافع الباطل، وكذا يعتقد الماتردي والأشعري في عقيدتهم.
ويعتقد السلفي أنّ في عقيدة الأشعري والماتردي التي هي امتداد للجهمية نقاط ضعف قاتلة قد يستفيد منها النصراني والملحد، وغاية حوارهم أن ينتهي إلى تكافؤ يكون كل فريق سجل على الآخر نقاطاً، وهذا يُدخل ضعفاء الإيمان في حيرة ويثبّت بعض أهل الباطل إذ يعتقد ضعف أهل الحق.
ولهذا إبطالك للعقائد الفاسدة المخالفة لظواهر النصوص والفطرة السليمة هو تنقية لصورة الإسلام، اليوم كثيرون يريدون تبرئة الإسلام من أفعال بعض الجماعات ويقولون: "هؤلاء لا يمثلون الإسلام" ويرون أن ذلك أعظم الدفاع عن الدين، والواقع أنّ تبرئة الإسلام من عقائد يعترف أصحابها أنّها مخالفة لظواهر النصوص والفطرة - بحيث لا يعتقدها إلا الواحد في الألف كما صرح الغزالي في عقيدتهم في النّفي - أولى وأولى.
وقد اعترف شيخ الأزهر في لقاء تلفزيوني أنّه لو نزل للعامة بالعقيدة الأشعرية لن يفهموها، فكيف نجعل عقيدة غير مفهومة باباً للدفاع عن الدين ونحن أعلى ما نستطيل به على النصارى غموض التثليث وتناقضه، فإذا كانت عقائدنا أيضاً غامضة لم يكن لنا عليهم فضل.
الذي حصل في المناظرة أنّ النصراني كان فاهماً لإشكاليات عقيدة الماتردية الجهمية ويعرف أنّها متصلة السند بأرسطو فأحرج البريلوي في هذه النقطة.
جي داير لديه فهم (نوعا ما) بتناقضات المعطّلة فقال له:
"بناء على عقيدتك، التي هي مبنية على كلام أرسطو، تقول أنّ الأسماء هي فقط أسماء ولكن لا يمكن معرفة معنى الأسماء"
فرد هذا البريلوي قائلاً "أنا أخالف أرسطو في كثير من الأمور"
والنصراني يرد : "أنا أعلم ذلك، لم أقل أنّك تتماشى معه تماما، لكن أقول بناء على مقدماتك ينبغي أن تكمل نتيجة أرسطو، كيف تقول أنّه لا توجد حوادث بذات الله وفي نفس الوقت تقول هو يفعل أمورا ويخلق وغيرها"
رد البريلوي الجهمي: "عندما نقول أفعال الله، فهذه عبارة عن أثر إرادته"
النصراني: "بناء على عقيدتك، ألم يكن الله عنده الاحتمالية على الخلق ومن ثم خلق الخلق؟ أليس هذا تغير؟"
البريلوي: "لا هذا ليس تغير، مشيئة الله قديمة، فهو شاء هذا منذ القدم"
النصراني: "إذا ينبغي أن تقول كما قال أرسطو أنّ الخلق أيضا قديم، وإلاّ ما أثر الإرادة القديمة"
أقول : هكذا دار النقاش وهذا النقاش ليس بين النصرانية والإسلام بل ما كان يقرّره النصراني هو عقيدة عامة أهل الإسلام! وما يقرّره البريلوي هي عقيدة الشذّاذ من الجهمية.
الفكرة الأولى التي طرحها النصراني هي نفي الاشتراك المعنوي عند القوم فعددٌ منهم يقول العلاقة بين اسم ( الحليم ) للخالق و ( الحليم ) للمخلوق علاقة اشتراك لفظي فقط بدون أي اشتراك في المعنى ويعتبرون الاشتراك في المعنى تشبيها.
وعامة بني آدم إذا قرأوا ( يحبهم ويحبونه ) و ( والراحمون يرحمهم الرحمن ) ونحوها من النصوص يفهمون الاشتراك المعنوي وهذا لا يقتضي تشبيهاً ولكنه القدر الذي من خلاله تفهم الصفة، فالبصر في المخلوق إدراك مرئيات وفي الخالق متعلق بالمرئيات أيضاً ولكن بصر الخالق محيط بكل شيء ولم يسبقه فناء كلي ولا يلحقه فناء بخلاف بصر المخلوق المخلوق.
ولولا هذا القدر ما فهمنا آثار أسماء الله وصفاته في الخلق ولا فهمنا النصوص التي تُكلمنا عن الله عز وجل بل عامة متقدمي الأشعرية يقرون بالاشتراك المعنوي في صفة الوجود والصفات المعنوية السبعة لكن عدداً من متأخريهم أمرهم عجيب فاقوا متقدميهم في التعطيل.
وأنت حين تقول: اليد القدرة فمعنى القدرة أنت تفهم في وجوده في المخلوقات أيضاً، وهذا هو الاشتراك المعنوي ولكن قدرة المخلوق ليست كقدرة الخالق.
إذا فهمت ما سبق ستفهم عمق فقه السلف حين كانوا يقولون : ( إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا يمكننا أن نحكي كلام الجهمية ) لأنّه كلام فلاسفة هم أسوأ من اليهود والنصارى حاولوا أسلمته لهذا تجد النصراني الذي يؤمن ببلايا عقدية ينكت عليهم ويستغرب.
=
=
وأظن أنّ النصراني فهم هذه النقطة من مناظرته للربوبيين أو الملاحدة، فكثير منهم إذا تكلم بأنّه لا يؤمن بـ( الإله الإبراهيمي ) كما يسمونه وهو رب العالمين وخالق كل شيء لا كما يدعون أنه بدأ من إبراهيم، إذا تكلموا عنه سبحانه يستخدمون شبهات الجهمية ويزعمون أنّ النصوص في الوحي فيها تشبيه، لهذا لا يؤمنون بهذا الإله الذي فيه نقص كما يزعمون والواقع الذي يقترحونه هو العدم أو إله صفاته صفات العدم.
وأمّا النقطة الثانية التي طرحها النصراني وهي نقطة حلول الحوادث أو أفعال الله الاختيارية، وقد اعترف السنوسي أن عامة المسلمين يخالفون عقيدة المتكلمين في هذا فيثبتون لله أفعالاً اختيارية قائمة بذاته، فإذن النصراني أصالة إنّما كان ينتقد عقيدة هي عقيدة أهل الكلام خاصة وعامة أهل الملة لا يعتقدونها؛
وهي خلاف ظواهر النصوص أصلاً وخلاف عقيدة السلف ولشرح المسألة استمع إلى هذه الصوتية:
https://t.me/alkulife/7930
وألخص البحث بالتالي : ما يفهمه عامة بني آدم بفطرتهم أنّ هناك فاعلاً وفعلاً ومفعولاً
وهذا هو ظاهر النصوص قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾[يس]
الفاعل هو الله سبحانه والفعل هو قوله ( كن ) والمفعول هو ( المخلوق بكن ) وأصل خلاف السلف مع الجهمية في القرآن الذي بني عليه المحنة التي جلد فيها أحمد أنّ الجهمية يقولون الفعل هو المفعول ولهذا كلام الله مخلوق وكان السلف يستدلون عليهم بقوله ( ألا له الخلق والأمر ) ففرق بين الخلق المفعول والأمر الفعل.
أهل الكلام أثبتوا فاعلاً ومفعولاً فقط ونفوا وجود الفعل وسمّوه حلول حوادث وجعلوا الفعل هو المفعول، وهذه سفسطة عجيبة وهو ما تكلم به البريلوي.
وأمّا الفلاسفة جماعة أرسطو فأثبتوا الفاعل ونفوا الفعل الاختياري والمفعول الاختياري وقالوا بقدم العالم يعني أنّه مع الله مثل الشعاع للشمس لم يسبقه عدم وهذا ما ألزم به النصراني البريلوي أنّه ما دمت نفيت الفعل، على أي أساس تثبت المفعول الاختياري.
وأمّا النصارى فجعلوا الفاعل والفعل والمفعول شيئاً واحداً في أمر المسيح وهذا من أعجب الأقوال وأبعدها عن العقل وهذه حقيقة تثليثهم.
وأمّا الملحد فأثبت الفعل والمفعول ولكن بدون فاعل! لهذا يقول لك الصدفة تفعل، والصدفة هي صفة للفعل فيقال فلان فعل كذا صدفة وفلان فعل كذا قصداً فذلك لا يغني عن الفاعل.
إذا فهمت هذا تفهم أنّ باب العقيدة السليمة وإثبات ظواهر النصوص وما يدل عليه الفطرة والعقل ينقض كل العقائد الباطلة، والتي توصل إليها أصحابها عن طريق الخوض في فلسفات عجيبة يحسبها الظمآن ماءً!
وتفهم مدى عمق فقه السلف وأنّ الحاجة المزعومة لعلم الكلام والفلسفة لا تفيدك كثيراً في المناظرات العامة، فالناس سيبقون لا يفهمون التعقيدات الشديدة إلا أهل التخصص ويرجعون لفطرهم.
والذي فعله النصراني بكل مكر أنّه ترك عقيدته الخبيثة المتناقضة وبدأ يبحث مع البريلوي في الأماكن التي يؤمن فيها البريلوي بعقائد تخالف العقل والفطرة وظواهر النصوص التي رد على أهل الكلام فيها أهل الحديث والفلاسفة وعامة العقلاء،
فأوهم النصراني الضعيف أنّ هذه عقيدة عامة المسلمين وأنّها معقدة وسيئة ولا تختلف عن التثليث ( علماً أنّ التثليث فيه من التناقض والبلايا الشيء العجيب ولكنه غيّر الحوار ) وجيد أنّه لا يُحسن الأردو أو العربية واطلع على الردود بين الديوبندية والبريلوية فإنه كان سيصطاد بلايا على هذا البريلوي في عقائد أصحابه.
هذا أنموذج وقد يتكرر مستقبلاً كثيراً لذا إبراز العقيدة الصحيحة ينبغي أن يكون ركناً من أركان نقض شبهات الملاحدة والنصارى لأنّهم يستغلون عقائد أهل الكلام وما فيها من فساد ويصورون للعامة من أتباعهم أنّ هذه عقائد المسلمين، فإذا عرف عوامهم أنّ هذه العقائد خلاف ظواهر النصوص وعقائد جمهرة المسلمين بل خلاف عقيدة السلف الصالح فهموا سقوط هذه الشبهات.
ولهذا فكرة الاصطفاف مع القوم ضد الملاحدة والنصارى مع هذا الخلاف العقدي العميق والشديد فكرة قد يظن البعض أنّها جيدة ولكنها فكرة فتاكة ولها آثار سلبية شديدة؛
وللمعلومية البريلوي نقض على النصراني في نقاط ما خرج منها إلا بضرب من السفسطة غير أنني ركزت على هذا ليفهم خطورة عقيدة القوم.