مقلدون بلا أصول!
مقلدون بلا أصول!
أرسل لي بعض الأخوة مقطعًا لرجل مشتغل بالأدب يزعم أنه متمذهب بمذهب أهل الرأي.
وقد عنَّ له أن يعالج مسألة شائكة وهي كلام المتقدمين المستفيض جدًّا في إمام مذهبه، والذي تنوعت أسبابه وتكاثرت أسانيده ومصادره وحصل بسببه السجال المشهور بين المعلمي والكوثري.
واستند إلى كون إمامه انعقد الاتفاق على تلقي مذهبه بالقبول وهذا أقوى من تلك الروايات المنسوبة لأئمة أهل الحديث، ويكون بذلك قد حسم المسألة!
وهذا استدلال دارج في هذا البحث، وهو استدلال أشبه بمسالك العوام منه بمسالك العلماء.
• فإن المستدِل بهذا الضرب من ضروب الاستدلال يغفل عن ثلاث قواعد أصولية.
القاعدة الأولى: الأقوال لا تموت بموت أصحابها.
ولهذا فالاتفاق المتأخر لا يرفع الخلاف المتقدم، فما بالك وقول المتقدمين ادَّعَى بعضهم عليه الإجماع مثل ابن أبي دَاوُدَ كما نقله ابن عدي الكامل وابن عبد البر في الانتقاء وابن الجوزي في المنتظم وغيرهم.
قال المرداوي في التحبير: يجوز تقليد الميت كتقليد الحي؛ لأن قوله باق في الإجماع، وهذا قول جمهور العلماء.
وفيه يقول الإمام الشافعي: "المذاهب لا تموت بموت أربابها" انتهى.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: "وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع منهم من تقليد الميت، إنما هو شيء يقوله بلسانه، وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه، والأقوال لا تموت بموت قائلها كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها".
وعليه سار ابن تيمية في اختياراته الفقهية، فما كان يكلف نفسه بأكثر من أن يأتي بسلف له من الصحابة أو التابعين أو أحد الفقهاء المتقدمين وإن لم يكن من الأربعة المشهورين، وهذا واضح في مسلكه في مسائل الطلاق وغيرها.
ولو فرضنا أن هذه القاعدة الخلاف فيها قوي ومعتبر، فمجرد كونها وجيهة يجوز لمن اعتقدها أن يعمل بها، ولا تلزمه بما استقر عند المتأخرين لأنه يرى أن المتقدمين ما ماتت مذاهبهم بموتهم.
القاعدة الثانية: أن الإجماع المنضبط هو إجماع السلف، وأما إجماع المتأخرين فلا ينضبط لكثرة تصانيفهم وتفرقهم في الديار وعدم إحاطة أحد بعامة كلامهم.
وهذا ما نبَّه عليه ابن تيمية في الواسطية:
"والإجماع الذي يَنْضَبط: هو ما كان عليه السلف الصالح، إِذْ بَعْدَهم كَثُرَ الاختلاف وانتشرت الأُمَّة".
أقول: ولو فرضنا انضباط إجماع المتأخرين فإذا عارضه إجماع منقول عن المتقدمين أو قول جمهور لم يوثق بهذا المنقول عن المتأخرين.
القاعدة الثالثة: أن الإجماع هو إجماع المجتهدين، وإجماع المقلدين لا يُعتدُّ به.
وأصل دعوة المقلدين اعتقاد أن الاجتهاد انقطع، فكيف يجعلون كلام المتأخرين ناسخًا للثابت المعتمد في كتب المتقدمين من أئمة الجرح والتعديل!
ولهذا لما ادَّعى الجويني الإجماع على تقليد الميت مع قوله بانقطاع الاجتهاد اتهمه النقشواني بالتناقض لأن الإجماع مختصٌّ بالمجتهدين، وحاول جماعة دفع هذا التناقض، انظر البحر المحيط (٨/٣٥١).
ثم نجد هؤلاء المقلدة يزعمون أن اتفاق المقلدين (المزعوم) ينسخ كلام أئمة أهل الحديث المتواتر عنهم.
فإذا أضفنا لهذا أن مذهب أهل الرأي عامةُ أهله مرجئة، وبني على ذلك فروع عندهم، مع إنكار أهل الحديث لمذهب المرجئة في كل زمان ومكان، ومعلوم ما صار بينهم وبين الشافعية بسبب موضوع الاستثناء في الإيمان.
بل متأخري أهل الرأي صار المعتمد عندهم أن الحلف بالقرآن لا ينعقد به يمين، وهذا نقيض حجة أهل الحديث على الجهمية التي أخذوها كابرًا عن كابر أن ابن مسعود قال: "من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين". وقالوا إن هذا يدل أن القرآن صفة الله، فاليمين لا ينعقد بمخلوق.
فيبعُد أن يكون هذا محل قبول عند أهل الحديث من المذاهب الأخرى، بل تلك دعوى محلِّقة.