إبطال التعنت بنقض سببه
إبطال التعنت بنقض سببه
قال تعالى : ( قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون)
قد يتساءل متسائل لماذا لم يأتِ الأنبياء بالسلطان المبين الذي طلبوه ؟
فالجواب : الواقع أن جواب الأنبياء كان فيه إبطال لسبب التعنت الذي دعاهم لطلب السلطان المبين فهم انحازوا ضد التوحيد مع فطريته ودلالة العقل عليه تقليداً لآبائهم كما صرحوا ( تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ) فاستثقلوا أن يكون الأنبياء أهدى من آبائهم
فهذا التحيز دفعهم إلى ألا يسألوا آباءهم عن حجية هذا الشرك وفقط يريدون من الأنبياء التدليل بسلطان مبين على التوحيد
فكان جواب الأنبياء على أساس هذه المشكلة ( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) أي أنه لا يمتنع عقلاً ولا يستبعد أن يكون هؤلاء الأنبياء أهدى من الآباء وهم لو شاهدوا هذا المعنى لتغيرت طريقتهم بالتفكير
وهكذا كثير من الشباب اليوم يطلب من البراهين على الحقائق الدينية الشيء الشديد ويتشكك فيها لأدنى شيء لأنه ينظر للدين على أنه عبء يحمله ، وسبب ذلك أنه عنده إيمان بالنموذج الغربي والذي مخالفته للشريعة ظاهرة فلذا يطلب منك من البراهين ما لا يطلبه من الغربي
ولو أنصف لعلم أن تفضيله للغربي لا يبنى على أصل صحيح بل على مصادرة على المطلوب فكونهم أعلى ( فيما تظن في الدنيا ) فالحقيقة الدينية قاضية أن هناك آخرة وأن هذه الدنيا مجرد ممر ولا أحد يخلد بهذه الدنيا فكونك تنحاز ضد الدين عن طريق التحاكم لقيمة لا تكون قيمة عليا إلا إذا كان الدين باطلاً هذا اسمه دور وكأنك تقول ( دينك باطل لأنه يخالف القيم التي بنيت على بطلانه أصلاً ) !
فمن ينظر اليوم بالمقاييس المعتمد عند الغرب في تقويم البشر والتي يعتمدها عموم الناس إلا ما رحم ربي في تقويم الصواب والخطأ يرى الأمر مقتصراً على مفهوم اللذة والألم والعدل بالصورة الليبرالية وأما البعد الأخروي وأمر الأعراض وقبل ذلك كله العلاقة مع الله كل ذلك مستبعد والعجيب أن هناك من يريد قراءة الإسلام بناء على هذا التقويم الغربي
وهذا التقويم أو المقياس الغربي أصلاً مبني على هامشية قضية الدين فكيف يحاكم الدين إليه ؟ وهامشية قضية الدين مسألة ينبغي إثباتها بأدلة مستقلة ولا يوجد على ذلك رائحة دليل كما عبادة الأوثان لا دليل عليها ولكن المساكين يفترضون صحة هذا المقياس دون أن يقيموا دليلاً على الأصل الذي بني عليه كما أولئك الكفار افترضوا أفضلية آباءهم مع أن هذه قضية البحث أصلاً فإذا كانت عقيدة آبائكم فاسدة فهم مفضولون ضرورة ( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده )
وكذلك من افترض أفضلية الغربي وهذه هي قضية البحث أصلاً إذ لو كانت هناك آخرة فكل فضيلة في الدنيا تبعد عن الآخرة خسران ، وكذلك طريقة من يهون من شأن بعض العقائد الباطلة بحجة أنها قال بها أئمة ! هو يصادر على المطلوب فبعد الحكم على العقيدة ننظر في حال معتنقيها لا أن نحكم عليهم حكماً مستقلاً عن العقيدة ثم نحكم على عقيدتهم بناء على تعظيمنا لهم ! هذا نظير تفكير المبطلين في كل زمان
وهكذا يتملص أهل الباطل من إقامة الأدلة على باطلهم بالاحتكام إلى مقياس فاسد ثم يماحكون أهل الحق فالحل بإبطال هذا التعنت بنقض سببه ثم تأتي البينات لمزيد إقامة حجة ، وهذا المعنى لما أدركه أعيان أتباع الأنبياء المبادرين إلى الإيمان بهم حتى قبل ظهور الآيات