حتمية إمكانية الفساد الإداري في النظام الرأسمالي..
حتمية إمكانية الفساد الإداري في النظام الرأسمالي..
مِن أهم إشكاليات المثقفين الشغوفين بالنموذج الغربي أنهم يروِّجون له على أنه نموذج طارد لكل فساد، وأنك بمجرد ما تطبقه ببنيته المؤسَّساتية ستقفز إلى التقدم والرقي والتطور، ثم هُم يُحاكِمون حتى الدول الإسلامية القديمة بهذه النظرة.
ومع كونهم يرسمون صورة للغرب لو رآها الغربيُّ نفسه سيستغرب منها (ولكن ما تصنع بعقدة الفردوس الأرضي)، وكونهم يتجاهلون أن الربا والمكوس والإباحية كلها صور فساد في ديننا الإسلامي، والقوم لا يعتبرونها كذلك، واعتبارها في التقييم سيغيِّر من النظرة تمامًا، ومع تجاوزهم للإشكاليات العقائدية والأخلاقية في تلك المجتمعات..
ومع تجاهلهم للفارق الجوهري بين الدولة القديمة والحديثة، فالقديمة لم تكن تحتكر السلاح، وكانت الحدود مفتوحة، ولم تكن هناك مراقبة صارمة للذمة المالية، فحتى الزكاة تؤخذ من الأموال الظاهرة وأما الباطنة فمتروكة لتديُّن الإنسان، وهذه الفروق وغيرها تجعل اختيار نظام أفضل في الدولة القديمة محكومًا بمعايير تختلف عن الدولة الحديثة التي هي أصلا غير عقائدية ومبنية على منظومة أهداف معلمنة (يعني داخل هذا العالم فقط)، وهذا لا يعتبر الأصل عند المتدين المؤمن بالآخرة وأن الاتصال بالله هو أعظم نعيم الدنيا.
بغض النظر عن كل ما سبق، الفساد الإداري موجود حتى في أكثر الديمقراطيات عراقة، وهذا ليس تبريرًا للفساد كما يظن البعض، فنحن لا نؤمن بقداسة النموذج الغربي حتى يكون ما فيه من إشكاليات مبرِّرًا لوجودها في غيره، وتجاوزًا لجواب: الفساد الذي عندهم أقل، أو على الأقل مكشوف، أقول: لماذا لم يُقْضَ عليه؟
سأذكر تقريرًا عن الفساد في الولايات المتحدة الأمريكية له نظائر في بعض البلدان العربية مثل العراق ولبنان وغيرها دون أي حلول، وبعد التقرير لي تعليق.
Corruption in the USA: the difference a year makes.
ضع هذا العنوان في محرك البحث لتقف على التقرير، وهو صادر أصالة عن لجنة متابعة الفساد هناك.
جاء في التقرير: تواجه الولايات المتحدة مجموعة واسعة من التحديات المحلية المتعلقة بإساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة، وهو تعريف منظمة الشفافية الدولية للفساد. تشمل القضايا الرئيسية تأثير الأفراد الأثرياء على الحكومة، وسياسة "الدفع مقابل اللعب" والأبواب الدوارة بين المكاتب الحكومية المنتخبة والشركات الربحية والجمعيات المهنية، وإساءة استخدام النظام المالي الأمريكي من قبل الفاسدين الأجانب والنخب المحلية. تم انتخاب رئيس الولايات المتحدة الحالي بناءً على وعد بتنظيف السياسة الأمريكية وجعل الحكومة تعمل بشكل أفضل لأولئك الذين يشعرون بأن مصالحهم قد تم تجاهلها من قبل النخب السياسية. ومع ذلك، فبدلًا من الشعور بتحسن بشأن التقدم المحرز في مكافحة الفساد خلال العام الماضي، تقول أغلبية واضحة من الناس في أمريكا الآن أن الأمور أصبحت أسوأ. ما يقرب من ستة من كل عشرة أشخاص يقولون الآن أن مستوى الفساد قد ارتفع في الأشهر الإثني عشر الماضية، ارتفاعًا من حوالي الثلث الذين قالوا الشيء نفسه في يناير 2016.
ثم فصَّلوا أكثر بقولهم:
تظهر النتائج: يعتقد 44 في المائة من الأمريكيين أن الفساد منتشر في البيت الأبيض، ارتفاعًا من 36 في المائة في عام 2016. يعتقد ما يقرب من 7 من كل 10 أشخاص أن الحكومة فشلت في محاربة الفساد، ارتفاعًا من النصف في عام 2016. يرى ما يقرب من ثلث الأمريكيين من أصل أفريقي الذين شملهم الاستطلاع أن الشرطة فاسدة للغاية، مقارنة بخمسهم في الاستطلاع بشكل عام. أعرب 55 في المائة عن مخاوفهم من الانتقام باعتباره السبب الرئيسي لعدم الإبلاغ عن الفساد، مقابل 31 في المائة في عام 2016. قال 74 في المائة أن الناس العاديين يمكنهم إحداث فرق في مكافحة الفساد.
أقول: من أراد المزيد ليراجع التقرير، الفكرة التي يُؤْمِن بها كثير من المثقفين الطوباويين (مسئول مثله مثل أي مواطن) فكرة سوفسطائية أصلًا تجمع بين النقيضين، فكيف يكون مواطنًا مثل غيره من كل وجه ثم هو مسئول أيضا، وكيف يُمنح سلطة تُثقل كاهله دون أي امتيازات في مقابل هذه المسئولية، فالغنم بالغرم، ووجود سلطة يعني إمكانية فساد ضرورة (إمكانية وليس وقوعًا، انتبه لهذا المعنى).
ووجود رقابة على السلطة يعني وجود سلطة رقابية، وهي جائز عليها الفساد والسهو هي الأخرى، وسنبقى نضع سلطة على سلطة على سلطة إلى ما لا نهاية وهذا غير معقول.
أو يكون الأمر سلطات تتقاسم السلطة، وهذه السلطات قد تعطِّل عملَ بعضها وتُضعِف السلطة المركزية؛ بحيث يمكن لطرف ثالث التدخل والاستيلاء على المشهد، وقد تدخُل في مساومات مع بعضها البعض حيث تسكت عن فسادي لأسكت عن فسادك، ويكون الضحية الإنسان الضعيف (وهذا حاصل في بلدان كثيرة).
=
=
والسؤال هنا: ما الحل؟
فيقال: الحل الذي يحوِّل الدنيا إلى جنة في يد كل فرد دون عمل منه، بمجرد وجود نظام عام، هذا لا وجود له، والشريعة ما التزمت هذا، بل ما التزمت وجود حياة بدون ابتلاءات، ولكن التزِم بتسليحك بأمور تجعلك قائمًا على قدميك عند كل ابتلاء منشرحَ الصدر وقادرًا على تقليل الضرر قدر المستطاع.
قد بيَّن الأستاذ جميل أكبر في كتابه "قصّ الحق" إشكالية موضوع "المال العام" في الأنظمة الحديثة، وأنه في الدولة الإسلامية إنما تؤخذ نسبة من الأموال الظاهرة في الزكاة وغيرها من المداخيل، وتبقى النسبة الأكبر بيَد الناس، فحتى مع تعثُّر الدولة يبقى في يد الناس مقدرة على إصلاح هذا البلاء، بخلاف الأنظمة الحديثة، مع أفكار أخرى أعمق وأدقَّ وأكثر شرحًا، أرى دراسته من أكثر الدراسات الناضجة التي رأيتها، قد لا توافِق على كل تفاصيل الوارد في الكتاب الكبير (في ثلاث مجلدات)، ولكن الفكرة الأصلية الكبرى كفيلة بإصلاح وهمٍ كبير لطالما أسَر كثيرين وجعلهم يبذلون جهودهم في المكان الخطأ.
وهذه مقدمة الكتاب صوتية (وسيستمر الشاب إن شاء الله بقراءة الكتاب حتى يختمه).
https://youtu.be/iGcQvsjPI0s