من عجائب المتنبي ( حقا في كل واحد واد يهيمون )
من عجائب المتنبي ( حقا في كل واحد واد يهيمون )
لا يكاد يذكر الناس للمتنبي أبياتاً كثيرة في أمر العشق كما يتداولون أبياته في المدح والفخر والحكمة ، غير أنه كان له شيء من الإبداع في هذا السياق خلافاً لما يدعي بعض المعاصرين
فله بيتان من أبلغ ما وقفت عليه في أمر الوجد والفراق سأذكرهما ثم أذكر شرح المعري عليهما في كتابه ( معجز أحمد )
ثم بعد هذين البيتين قال أبياتا من أشد ما يكون في هجاء أخلاق النساء( بما لا يخلو من تعميم غير مرضي ) وإنني لشديد التعجب كيف اجتمع له الشوق الشديد الذي في الأبيات الأول مع ذلك الذم الشديد الذي في الأبيات بعدها غير أن النفس البشرية أمرها عجيب ولعله ما شدة ما علق بقلبه من التعلق بالآخر لما فاته حظه منه حمله شدة الحزن والكآبة على هجائه وهذه حال تكثر الْيَوْم في الشباب والشابات حتى أنها أساس لتبني كثيرين لتوجهات مثل النسوية الجامحة ودائما التعلق المفرط بالناس يفعل بك الأفاعيل أعاننا الله على أنفسنا
أما ما قاله في الشوق :
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند
قال المعري شارحاً هذه الأبيات :" ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد
يقول: أنت مصورة في قلبي، حتى كأنك لم تفارقيني، وإن بعدت عني حتى كأن يأسي منك وعدٌ بلقائك.
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند
يقول: من قوة تمثلك في قلبي، أظن أنك عندي تمسحين مدامعي وتعانقيني فأجد في ثوبي رائحة الند من ريح ثوبك"
وأما أبيات الذم فأذكرها مقرونة بشرح المعري :" إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
يقول: إن الحسناء تفي بعهدها، وعهده ألا يكون لها عهد! أي لا يكون لها لقاء، فغدرها إذاً يكون وفاء بعهدها! وقيل: معناه إن الحسناء إذا غدرت، وفت هي بعهدها؛ لأنها مخالفة لسائر النساء.
وقيل: أراد أن المرأة إنما عهدت على الغدر وبه جرت عادتها، فقد فعلت هي إذا غدرت بما جرت به عادتها، فإذا أوفت بعهدها، غدرت ووفت بعهدها؛ لأن عهدها ألا يدوم لها عهد ولا ود.
ومثله لأبي تمام:
فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانيةٍ هند
وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصد
القصد: الاقتصاد.
يقول: إن المرأة إذا عشقت، أو أبغضت أفرطت في الحالين فعشقها بمن يعشقها أشد، وبغضها إذا أبغضت أشد، لا اقتصاد لها في ذلك. وقوله: فاذهب إشارة إلى أنه ليس يجب أن يعتمد عليهن في حال من الأحوال.
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضاً ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
وهذا تأكيد لما مضى من نفي الاقتصاد أيضاً.
كذلك أخلاق النساء وربما ... يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد
الهاء في بها وبها للنساء.
يقول: إن أخلاق النساء على ما وصفته لك، ولكن العاقل ربما ضل عقله بحبهن، وخفي عليه رشده، فيغلب هواهن رأيه.
ولكن حباً خامر القلب في الصبا ... يزيد على مر الزمان ويشتد"
والبيت أخير شبه اعتذار عن هذه الحال العجيبة غير أنه يزيد الحال إشكالا فما يجعل الحب يزيد وشأن الأمور أن تهرم مع مرور الزمان خصوصا مع كشف معايب المحبوب إنما هي حال لا تجري على قياس مطرد أعان الله من ابتلي بذلك على نفسه وماله سوى الاستعصام بحبل الله وإلا فهو شديد وقد يكون الأمر أحزانا متفرقة على أحباب شتى وآمال متلاشية يتخذ ذلك صورة الوجد على معشوق فات الحظ منه وصار كمثل النجوم في السماء تتراءى لك كلما جن الليل ولا سبيل إلى الوصول إليها