النبي صلى الله عليه وسلم يعده بشرى ويعدونه فتنة.
النبي صلى الله عليه وسلم يعده بشرى ويعدونه فتنة.
من الأطروحات المنتشرة بين كثير من المثقفين الإسلاميين أن أبحاث الصفات الإلهية ينبغي أن تكون نخبوية، إلا أن يكون السياق في ذكرها وعظيا.
ويحملهم على هذا مقدمات صرت أفهمها جيدا، وهي الرغبة الجامحة في التجميع والفرق من تهمة الغلو خصوصا، وأن هذه العناوين كانت في الزمن القديم بابا للتضليل والتكفير عند عامة فرق الأمة.
اليوم الأبحاث ذات القيمة هي الأبحاث ذات المتعلق السياسي والاقتصادي والاجتماعي حصرا، ومعها أبحاث الدفاع عن الهوية المشتركة، والواقع أن كل هذه أفكار محدثة لا يدل عليها كتاب ولا سنة.
في الصحيح من حديث عمران بن الحصين: "قال إني عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم. قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قبلنا؛ جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان. قال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء. ثم أتاني رجل، فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت. فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها، وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم".
أقول: هنا النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بني تميم فيظنوا أن البشرى مال، فيسألونه أن يعطيهم، فيتركهم ويقبل على أهل اليمن. ويظهر أن البشرى علم عن الله عز وجل وأوليته وعلوه على العرش وأفعاله الاختيارية (وأنه لا تنافي بين كل ذلك كما يتوهم المعطلة).
الوفود في العادة يستقون معلوماتهم الأولية من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أخبار الصفات.
أضف إلى هذا حديث الجارية التي سألها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (أين الله؟).
امرأة وليست حرة فهي أبعد ما تكون عن الأبحاث النخبوية، ومع ذلك يسألها النبي صلى الله عليه وسلم (أين الله؟) ويجعل ذلك فيصلاً في معرفة إيمانها.
وهذا أبو رزين العقيلي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم (أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟). ويسأله أخرى (أويضحك ربنا؟). ويسأله ثالثة (هل نرى ربنا يوم القيامة؟).
ولم ينتهره النبي صلى الله عليه وسلم في أي مرة منها، وأبو رزين ليس مذكوراً في كبار المهاجرين أو في الأنصار.
أضف إلى قصة الوفد والجارية والصحابي المقل من الرواية، قصة الصحابي الذي أحب سورة الإخلاص لأنها صفة الرحمن، وهذه السورة ليس فيها أحكام أو أي متعلق بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع فأحبه الله عز وجل لذلك.
لا أقول أن السياسة والاجتماع والاقتصاد ليست من الدين، كما أنني لا أقول أن الأحكام ليست من الدين، ولكن الذي أريد بيانه أن مسائل الصفات من الأصول، يعني أساسية،يعني مركزية، وهي من باب الإيمان بالله عز وجل.
ولما سئل ابن تيمية سؤالاً هذا نصه: "هل يتعين على المسلم أن يعتقد أن ربه سبحانه فوق عرشه وفوق كل شيء وليس كمثله شيء أم لا يتعين؟ واشتغاله بالعبادة وحفظ الجوارح والسكوت عن مثل هذا هل هو الأفضل في حقه وأبعد عن التشبيه؟"
فأجاب الشيخ بقوله: "أسماء الله وصفاته التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم هي أعظم ما يجب الإيمان به، وأهم قواعد الدين، فإن الله إنما خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وإنما يعبد من يعرف، وإنما يعرف بأسمائه وصفاته، فالإيمان به أعظم الإيمان، وصفة العلو مما فطر الله عباده عليها، واتفقت عليه أنبياء الله ورسله، وتواترت به نصوص الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمة المسلمين، فهي مما يجب الإيمان به".
أقول: ووصف هذه المباحث بـ(التافهة) و (الهامشية) هو استهانة بالوحي والإيمان، غير أن أكثرهم لا يعلم ما في كلامه من خطورة، ومعلوم أنه إذا انتشر التشكيك في ركن من أركان الإيمان وجب نشر الوقاية من هذا التشكيك والتضليل، كما أنه إذا انتشر فيروس في الجو وجب نشر دواعي الوقاية منه.