أبو القاسم السهيلي وإقامة حجة أهل الإثبات للصفات
أبو القاسم السهيلي وإقامة حجة أهل الإثبات للصفات
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ) في كتاب نتائج الفكر في النحو ص229 :" وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري: أن (اليد) من قوله:
(وخلق آدم بيده) ، ومن قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، صفة ورد بها الشرع، ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى (النعمة) ، ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزاً منه لمخالفة السلف، وقطع بأنها صفة تحرزاً منه عن مذاهب أهل التشبيه والتجسيم.
فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة
لا يفهم معناه؟
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت أحد من المؤمنين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا احتاج مع فهمه إلى شرح وتنبيه.
وكذلك الكفار لو كانت اليد عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في
دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أنه ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يداً كأيدينا، وعينا كأعيننا؟"
أقول : ثم ذهب إلى أن اليد نوع قدرة خاص وليس مطلق القدرة ! غير أنه أثبت حجة أهل الإثبات بأحسن ما يكون
إذ قرر أن أبا الحسن الأشعري كان يرفض التأويل وأن هذا مذهب السلف لهذا الأشعري تبعه خلافاً للمتأخرين من أصحابه ( وكنت دائماً أقول للأخوة المعتزلة عندي أعذر من متأخري الأشاعرة وذلك أن متأخري الأشاعرة لا يخالفون السلف وظواهر النصوص فحسب بل يخالفون متقدميهم أيضاً )
وقرر أيضاً أن المسلمين والمشركين لم يستشكلوا نصوص الصفات ويعتبروها تشبيها مع أصحابه الجهمية يقولون ظواهرها تفيد ذلك !
فهذا يدل على أن الفطرة تناقض فهمهم للتشبيه القادم من فلسفة معقدة مبنية على أن الكفر بالوجود الحقيقي لله عز وجل وإثبات وجود معنوي ذهني فحسب له سبحانه وتعالى عما يقولون
وقد علم أن في الأمة من آمن بظواهر هذه النصوص من خيار هذه الأمة فعلى مذهب المعطلة النصوص ليست خالية من الهداية فحسب بل هي كانت سبب الضلال البعيد ولا حول ولا قوة إلا بالله
فإذا زدنا على ما تقدم أن التأويلات عامتها السياق ينقضها وتعتبر تعسفاً شديداً ظهر ضعف مذهب المعطلة ولا يقولن له ( عقل ونقل ) بل العقل دل على صحة النصوص وأنها من الله وأنها فيها الهداية أقوى من دلالته المزعومة على مذاهبهم المتناقضة والمناقضة للفطرة السليمة
والأشعري لم يتوقف عن التأويل فحسب بل ظاهر كلامه قبول الإثبات ولو إجمالاً
قال ابن المنير الأشعري في حاشيته على الكشاف معترفاً بهذا التناقض بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم :" إنما أطال القول هنا ليفر من معتقدين لأهل السنة تشتمل عليهما هذه الآية:
أحدهما: أن اليدين من صفات الذات أثبتهما السمع، هذا مذهب أبى الحسن والقاضي، بعد إبطالهما حمل اليدين على القدرة، فان قدرة الله تعالى واحدة، واليدان مذكورتان بصيغة التثنية، وأبطلا حملهما على النعمة بأن نعم الله لا تحصى، فكيف تحصر بالتثنية. وغيرهما من أهل السنة كامام الحرمين وغيره يجوز حملهما على القدرة والنعمة"
وكذا اعترف بهذا ابن عطية في محرره الوجيز :" وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالا لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحداق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد".