كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أخلاق السبايا صارت تحرراً !

المصدر
أخلاق السبايا صارت تحرراً ! كانت العرب في الجاهلية والإسلام الحرة تستتر أكثر من الجارية لأنها أكثر إحصاناً منها وأعظم مَنعة وكانوا في أشعارهم إذا عيروا قوماً بسبي نسائهم ذكروا تشبههن بالإماء أو دخولهن في أخلاق الإماء جاء في شرح ديوان الحماسة لأبي علي المرزوقي الأصفهاني المتوفى عام 421:" ونسوتكم في الروع بادٍ وجوهها ... يخلن إماءً والإماء حرائر قوله "ونسوتكم" مع خبره جملةٌ انعطفت على قوله "وقد سال من ذلٍ" وهذا وصف الحال التي مني بها حين نصره مخاطبه. والمراد: ونساؤكم تشبهن بالإماء، مخافة السباء، حتى تبرجن وبرزن مكشوفاتٍ ناسياتٍ للحياء وإن كن حرائر. وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقصدون بسبي من يسبون من النساء إلحاق العار، لا اغتنام الفداء والمال، ولمَّا كان الأمر على هذا فالحرة كانت في مثل ذلك الوقت تتشبه بالأمة، لكي يزهد في سبيها. ومعنى و " الإماء حرائر ": واللائي يحسبن إماءً حرائر" وقال أيضاً :" يقول: وبرزت هذه المرأة كاشفةً عن وجهها سافرةً، كأنها قد أرسلت نقابها. ودل على هذا بقوله: كأنها بدر السماء إذا تبدَّى. وإنما فعلت كذلك لأحد وجهين: إما للتشبه بالإماء حتى تأمن السباء، أو لِما تداخلها من الرعب. وفي طريقته: ونسوتكم في الروع بادٍ وجوهها ... يخلن إماءً والإماء حرائر" ويلاحَظ في البيت أَن العلامة الفارقة بين الإماء والحرائر في ترك ستر الوجه وفي كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة (وهو كتاب ضخم في شرح أشعار العرب):" إذا بكر النساء مرَّدفاتٍ ... حواسر لا يجين على الخدام أي لا يرخين على خلاخليهن ثيابهن لأنهن قد سبين، أجْأتْ" تركهن للاحتشام بسبب السبي وأنهن يكشفن عن سوقهن يدل على أن التبذل وكشف السوق من أخلاق الإماء عندهم وأن المرأة الحرة المعتدة بحسبها ونسبها تكون أكثر استتاراً وهذا واضح من تسميتهن محصنات في مقابل الإماء كما في قوله تعالى : ﴿ومَن لَم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمِن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ وكونهن لا يكشفن سوقهن لا في جاهلية ولا إسلام واضح من قوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يُخفين من زينتهن﴾ فأرشدهن لعدم الضرب بالرجل لا الإخفاء لأنه حاصل من البداية. وليس هذا معناه جواز الزنا للإماء أو حتى التبرج ولكنهن يكن متبذلات، النفوس في العادة تنفر عنهن إلا بمدد من الزينة ولكونهن كثيرات الأعمال مملوكات لا يجدن وقتًا لذلك، إلا الإماء اللواتي يُتخذن للنكاح فهؤلاء يُصنَّ صيانة الحرائر وما لهن من الحسب مثل ما للحرائر يخشين عليه، ولهذا روعي هذا المعنى فجُعل زنا الأمة فيه خمسين جلدة فحسب ولا رجم عليها حتى وإن أُحصنت وكذلك العبد. وقال ابن قتيبة أيضاً في المعاني الكبير :" وقال: وأي امرىءٍ كنتّ في الوغا ... إذا مارأينَ السُوقَ مثل السواعدِ أي تخرج النساء أسواقها من الفزع كما يخرجن السواعد في الأمن" وهذا بيت جاهلي ففي الإسلام السواعد أيضاً لا تكشف والخلاصة أن العرب كانت تذم الزنا من الحرة أكثر من الأمة وكانوا على جاهليتهم يعلمون أن هذا لا يتم إلا بمزيد سد ذرائع فكانت الحرة تستتر بما لا تستتره الأمة والأمر في الإسلام على هذا وهذا ما يفهمه كل عاقل إلا أهل هذا العصر ممَّن تأثر بالعلمنة مع بقاء بعض أخلاق العرب فيه عكسوا الأمر وفتحوا كل الذرائع للشر ثم زعموا أنه لا تلازم بين فتح الذرائع ووقوع الشر. ومن اللطائف أن دعوى بعض الناس (وهي دعوى لها حظ من النظر) أن الوظائف رق عصري ربما يعضدها فرضهم على الموظفات في عدد من الوظائف أن يكنَّ كمثل الإماء في الجاهلية في البعد عن الاحتشام التام.