أرسل لي أحد الشباب مقالاً للدكتور حاتم العوني عن العشق !
أرسل لي أحد الشباب مقالاً للدكتور حاتم العوني عن العشق !
وهو مقال إنشائي لا حاجة لي بتقويمه الآن ولكن موضوعه عجيب خصوصاً في هذه الأيام التي يفشو فيها التعلق بالجنس الآخر بشكل كبير حتى صارت تلك غاية حياة عند الكثير من الشباب ، وصار ذلك مفتاحاً للكثير من الانحرافات الأخلاقية بل والعقائدية أيضاً إذ ينحاز المرء ضد الشريعة لأنها تقيد جموح الشهوة
غير أن الذي طلب الأخ الاستفسار عنه الحديث الذي أورده الدكتور حاتم في مقاله
وهو ما روى النسائي في السنن الكبرى حدثنا محمد ابن حرب المروزي قال : أخبرنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية) ، فغنموا ، وفيهم رجل ، فقال : إني لست منهم ، عشقت امرأة ، فلحقتها ، فدعوني أنظر إليها نظرة ، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم ، فنظروا ، فإذا امرأة طويلة أدماء ، فقال لها : أسلمي حبيش قبل نفاد العيش . أرأيت لو اتبعتكم فلحقتكم بحلبة أو ألفيتكم بالخوانق أما كان حقا أن ينول عاشق تكلف إدلاج السرى والودائق قالت : نعم ، فديتك ، فقدموه ، فضربوا عنقه ، فجاءت المرأة ، فوقفت عليه ، فشهقت شهقة أو شهقتين ، ثم ماتت ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما كان فيكم رجل رحيم ؟.
وركز الدكتور حاتم على قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أما فيكم رجل رحيم )
والسائل كأنه فهم أن الحديث معناه التخلية بين العاشق والمعشوقة لفعل الباطل فقلت له هذا لا يتصور وإنما الخبر إن صح يوحي بأنه ما كان ينبغي قتله عند معشوقته
ولكن الذي آسفني غاية الاستعجال في الجزم بثبوت الخبر فالحديث محل ريب كبير لأسباب عدة
أولها : حذفه من سنن النسائي الصغرى وهذه إشارة إعلال بل واستنكار
ثانيها : أن الطبراني خرج الحديث في معجمه الأوسط الذي يجمع فيه الغرائب والمناكير وأشار إلى سبب استنكاره فقال : لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد ، تفرد به : محمد بن علي بن حرب.
وهذا الاستنكار جار على أصول المحدثين فمحمد بن علي بن حرب وإن كان ثقة فبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة أنفس لم يتابع أحد منهم على حديثه وفيهم ابن عباس وعكرمة وكلاهما مكثر أصحابه كثير جداً فأين هم من هذا الحديث وسيأتي أن الناس يروون هذا الحديث بسند فيه جهالة فلو كان معروفاً من حديث عكرمة لرواه جميع الناس من طريقه
والانفراد في الطبقات المتأخرة التي انتشرت فيها الرواية وكانت أزمنة تدوين وتصنيف أشد من الانفراد في الأزمنة المتقدمة
وخذ مثالاً تقريبياً
قال ابن أبي حاتم في العلل : 2668- وسألت أبي عن حديث ؛ رواه حامد بن يحيى البلخي ، عن سفيان بن عيينة ، عن زياد بن سعد ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : كان اسم أبي بكر : عبد الله بن عثمان ، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت عتيق الله من النار سمي عتيقا.
قال أبي : هذا حديث باطل.
أقول : لو نظرت إلى رجال هذا الإسناد لوجدتهم جميعاً ثقات ، فلماذا حكم عليه أبو حاتم بالبطلان
فالجواب : أن حامد بن يحيى البلخي ثقة ليس بمكثر ، انفرد عن سفيان بن عيينة وهو كثير الأصحاب جداً ، لأنه كان عالي الإسناد وطال به العمر ويكفيك أن من أصحابه الشافعي ، وعبد الرزاق وعلي بن المديني وأحمد ابن حنبل ، فكيف ينفرد البلخي من دون كل هؤلاء بهذا الخبر هذا ما جعل أبو حاتم يحكم على الخبر بالبطلان ، مع أنه خبرٌ في الفضائل.
والأمثلة على ذلك كثيرة قال حاتم العوني في شرح الموقظة معلقاً على قول الذهبي ( وقد يعد تفرد الصدوق منكراً ) : والصحيح أن ذلك ليس خاصاَ بالصدوق بل حتى الثقة قد الحفاظ ولذلك رد العلماء بعض مفاريد كبار الحفاظ .
ثالثها : أن الحديث لم يخرج في الكتب الستة وفيه علي بن الحسين بن واقد صدوق يهم وقد تقدم عندك الكلام في تفرد الثقة بالأمر الغريب فما بالك بالصدوق الذي يهم
رابعها : أن الكتب المتقدمة في مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسيره لم تذكر القصة بل انفرد رجل تأخر عنهم بها وإنما رويت بألفاظ مختلفة وليس فيها زيادة ( أليس فيكم رجل رحيم )
فقد رواها ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة الزهري عن ابن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد وليس فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم المشار إليه