كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حديث ضعيف غير أن متنه أشجاني.

المصدر
حديث ضعيف غير أن متنه أشجاني. قال البزار في مسنده 1129- حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا سهل بن بكار ، قال : حدثنا محمد بن عبد العزيز ، من ولد عبد الرحمن بن عوف ، عن الحسن بن عثمان ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن مكفر. هذا إسناد ضعيف جداً غير أن متن الخبر أشجاني ، نعم فسره بعض أهل العلم بأن المؤمن ذنوبه مكفرة بالمصائب غير أن له تفسيراً آخر وهو الذي أثار شجوني في مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: حدثنى عبد اللَّه بن أبي بدر أنا يزيد بن هارون أنا هشام بن زياد عن محمد بن عبد العزيز عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "رحمة اللَّه على المكفرين أنا رفيقهم يوم القيامة"، وقال: "المؤمن مكفر"، فهذا صريح في معناه الذي قلنا. وقال ابن أبي الدنيا أيضًا بهذا الإسناد عن هشام بن زياد عن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير قال: سمعت عروة يقول: "حض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلا على رجل يأتى إليه معروفًا فقال: إنى أصنعه به ولكنه يكفره، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن رحمة اللَّه على المكفرين" هكذا وبسط يده إلى السماء، قال عروة: فما أصنع معروفًا إلا أكفره أحب إلى من أن أشكره. ( نقلاً عن المداوي للغماري والأخبار المشار إليها ضعيفة جداً غير أن الضعيف يشرح الضعيف ولا مشكلة ) واختار هذا المعنى الغزي في حسن التنبه لما في ورد التشبه حيث قال :" يعني أَنْ يَصْطَنِعَ الْمَعْرُوفَ فَلا يُشْكَرُ عَلَيْهِ" وهذا نظير المثل الدارج في العامية حين يقولون ( مأكول مذموم ) فيمن ينتفع به ويكفر ولا يشكر وهذا الكفران له صور وأشدها ان ينسب الفضل لغيره مع سبه والانتقاص منه خصوصا مع فشو التحزب بصوره المختلفة ومن يعرف واقع السرقات العلمية والتستر عليها من بعض من يعرفها لأغراض حزبية من بغض للمسروق ومحبة للسارق ولا عزاء في مثل هذه السياقات إلا الإخلاص ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) فإنما نرجو الله وحده غير أنه من المؤسف أن ترى كبراً أو حقداً يحمل المرء على جحود الفضل لأهل الفضل مع دعاوي الإنصاف والتباكي على مجهودات من نشروا الضلالات الكبرى في أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلا فالأجر لاحق بالمؤمن لاحق شئت أم أبيت وما أشد سخاءك حين تكون سبباً في وصول الأجر إليه في انتحالك جهوده ثم بعد ذلك تسبه وتظلمه فتجود عليه بحسناتك ولكي ينضبط الباب لا مشكلة من الانتفاع بفكرة قالها زيد أو عمرو أو بكر فلا زال الناس تتلاقح أفكارهم فتستفيد طرف فكرة من أحد الناس ثم تزيد عليها من عندك ما يزيدها متانة أو يقيد أطلاقها أو يطلق مقيدها وأما بحث علمي مبني على مقدمات ونتائج عديدة فهذا لا بد فيه من الإشارة لمن انتفعت بكلامه وبحثه ولو إجمالاً وإن لم تسمه وقد شاهدنا بعض الناس يذكر بعض شيوخه وأبناء تياره بمناسبة وغير مناسبة ويشيد بمجهوداتهم حتى إذا انتفع بأناس من غير هذا التيار ولو نفعاً عظيماً لم يصرح بالانتفاع بل يحفظ بعض ما وقف عليه من الزلات وهو يغرف الفوائد حتى إذا سئل عن هذا المسروق أبرزها لينتقص منه ويسقط مقامه في قلوب الناس ويصدهم عنه بالكلية وربما اجتهد ونشر ذلك ابتداء والمشكلة الحقيقية أن هذه المواقف لا تكون مبنية على أسس عقائدية سليمة بل كما نبهت كثير منهم يشيد بجهود أناس يخالفونه في مسائل عقائدية كبرى وهذا من ضروريات الإنصاف عندهم حتى لو كانت تلك الجهود مخلوطة بما يكدرها من الضلالات الكبرى ، ولكن هذه المواقف الضيقة في الولاء والبراء تكون عائدة إلى تحزبات مبنية على رؤى إصلاحية تضع العربة أمام الحصان وخلافات سياسية وخلافات في عدد من دقائق المسائل ( يشتد فيها الخلاف إما لداعي المناكفة أو لاتصالها بنزاع سياسي ومنها ما هو جلي في زمن السلف ولمن علم طريقتهم ولكنها تعتبر دقيقة باعتبار غربة الزمان ) مع الوفاق في المجملات الكبرى وهذا هو المحزن تنبيه : الحديث المشار إليه أخذه الكليني والصدوق من الإمامية ووضعا له أسانيد لأهل البيت وهكذا كثير من مادتهم يأتون إلى أخبار مروية في كتب العامة بأسانيد صحيحة أو ضعيفة أو حتى موضوعة وحكم ومواعظ مروية عن الصحابة والتابعين وينسبونها لأهل البيت بأسانيدهم الخاصة والتي كثيرا ما يكون مدارها على هذين الرجلين ولكي يتأكد لك الأمر هذا الحديث في كتب البزار وابن أبي الدنيا وكلاهما متقدم على الكليني والصدوق وقد كان المحدثون يستدلون على كذب بأنه يأتي إلى أحاديث مشهورة في الطبقات المتقدمة بأسانيد ضعيفة ويرويها هو وطبقته متأخرة بأسانيد صحيحة لو كانت حقا لاشتهرت بين الناس في الطبقات المتقدمة أكثر من الضعيفة ومعلوم أن عددا من أعيان أهل البيت وخصوصا جعفر الصادق ووالده الباقر وجده زين العابدين روى عنهم علماء أهل السنة وحبذا لو وجدوا عندهم حكمة يرسلونها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب بل أهل السنة يقولون أنهم منهم. الإعجاز الفريد في سورة العصر... بسم الله الرحمن الرحيم {والعصر (١) إن الإنسان لفي خسر (٢) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (٣)} [العصر]. أقول: في متن ثلاثة الأصول الذي يدرسه المبتدئون من السلفيين توجد عبارة منسوبة للشافعي: لو ما أنزل الله حجة على الخلق إلا هذه السورة لكفتهم. وبطبيعة الحال أكثرَ المشايخ وصغار الطلاب وكبارهم التدبر في كلمة الشافعي هذه، لأنها في متن يمر عليه الجميع أول ما يشقُّون طريقهم في الطلب. واليوم وبعد طول غياب عن التدبر في هذه الكلمة عدت إليها بعقل غير عقلي الذي كنت أتدبر به قديماً، وحقا ظهر لي مصداق كلمة الشافعي، ففي هذه السورة لون إعجاز فريد، وذلك أنها اختصرت قضية الوجود من ألفها إلى يائها بعبارات يسيرة على اللسان نطقاً وعلى الذهن حفظاً. {إن الإنسان لفي خسر} كل إنسان وفي ذلك تسخيف الإنسانوية، فالأصل في الإنسان الخسران ما لم يكن له مدد من السماء لأنه بغير ذلك بلا غائية صحيحة فليس هو مركز الكون، وإنما هو خلق من خلق الله لا قيمة له إن لم يطبِّق الغاية التي جاء من أجلها. {لفي خسر} سواءٌ كان غنياً أو فقيراً، نفع البشرية نفعاً دنيوياً أو لم ينفعها، سواءٌ كان ذكياً فصيحاً، أو بليداً عيياً سواء كان ذكراً أو أنثى من بلد متقدم أو بلد متأخر (هذه الكلمة فيها نقض كل الأخبار المنحرفة من رأسمالية واشتراكية ومادية ونسوية وطبيعانية ونفعية وغيرها). كل هؤلاء في خسر إلا {الذين آمنوا}، حققوا الغائية ولاحظ تقديم الإيمان الصحيح الذي لا بد منه والذي يحتقره من غلبت المادية على عقولهم فيقولون في حال الكفار: (وجدت إسلاماً بلا مسلمين) ويقولون في الكافر: (لماذا لا يدخل الجنة وقد نفع البشرية؟) وبعضهم يقول: (الدين المعاملة) ولا يعني بذلك المعنى الصحيح، وإنما يعني تهميش الإيمان الصحيح. ولهم في ذلك مكر، فمن ذلك افتراضهم قسمة غير حاصرة، فإما مؤمن سيء وإما كافر جيد وكأنه لا يمكن أن يوجد مؤمن جيد، علماً أن الكفر أعظم من كل ذنب يصدر من المسلم ولا يخرجه من إسلامه، ولكن هؤلاء يؤلهون أنفسهم، فيجعلون من ينفعهم ويؤدي ما يرونه حقاً لهم أعظم ممن أدى حق الله عز وجل. وهذا الضرب من الخلق هم أعظم الناس تنفيراً من الإسلام مع كثرة حديثهم عن تنفير غيرهم للناس من الدين، فالإنسان المريض قد ينفر من الدواء لمرارته، ولكنه سرعان ما سيحتمل مرارة الدواء حباً في العافية، ولكنك إن أقنعته أنه ليس مريضاً أصلاً وفضَّلته على الأصحاء فمتى سيشرب الدواء؟ {وعملوا الصالحات} فالإيمان ليس مجرد كلام يتكلم به، وتأمل قوله: {الصالحات} مما يشمل كل الطاعات، واليوم ما أكثر احتقارهم للصلاة والصيام والحج من الصالحات العظام المنجية من الخسران، بحجة أنهم لا يرون لها نفعاً مادياً، حتى أدمن بعضهم ألا يذكر قضايا الأمة إلا وفي مقابلها شيء من فقه الطهارة أو الصلاة أو الحج أو الصيام تصغيراً وتحقيراً لهذه الأمور، وحتى إن كان قصده حسناً فهذه طريقة سوء تهوِّن من شأن شعائر الله في القلوب التي تحاصرها قيم العالمانيين من كل جهة، فليس ينقصها تحاذقك وظرفك. وكثير من الناس يعقل التفاوت في العمل الصالح وأن الناس فيه على درجات، ولكن لا يعقل التفاوت في الإيمان الصحيح، لهذا تجده يحتقر دراسة العقيدة وتدريسها، وهذا خلاف ما يدل عليه ظاهر القرآن. {وتواصوا بالحق} واليوم كثير ممن أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح يقصرون هذا الحق على أنفسهم ولا يتواصون بالحق، تارةً بحجة خوف الرياء وتارةً بحجة خوف الأذى وتارة بحجة فساد الخلق وغيرها من الشبهات الشيطانية، وأنت مأمور بأداء ما عليك بحسب استطاعتك ولا تسأل الناس أجراً، وإنما الأجر عند الله. {وتواصوا بالصبر} وفي هذه إشارة عميقة إلى أن التمكين المطلق الذي يحلم به كثير من الشباب حيث لا كبير تصبُّر، وإنما شفاء صدور فحسب؛ ليس شرطاً في صحة المنهج وليس شرطاً في الفوز والنجاة من الخسران، بل قد يكون المرء في استضعاف في الدنيا أو تمكين جزئي أو حال مترددة بين التمكين والاستضعاف، غير أنه من كبار الفائزين عند الله ويستشعر من بركات ذلك في دنياه ما يحيلها عليه نعيماً مقيماً أيا كانت حاله فيما يرى الخلق بمقاييسهم الفانية.