كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ثقافة الحلول الفتاكة!

المصدر
ثقافة الحلول الفتاكة! من الأمور المشاهدة في الفكر الغربي وبالتالي في كل العالم المتأثر بهم أنهم دائمًا يحاولون علاج مشكلة فيوجدون مشكلة أخرى، هذا الأمر يشبه ما يحصل لبعض كبار السن حين يأخذ أدوية معينة لعلاج مرض ما فيكون لهذا الدواء آثارًا جانبية تُسبِّب مرضًا ربما بعد المضاعفات يصير نظير المرض الأول. في ظل غياب الوحي واعتماد البشر على آرائهم ومع ضغط العواطف دائمًا يحصل هذا. هنا اعتراف لدكتورة هي ابنة هذا الوسط الحداثي بوجود هذه الظاهرة العجيبة. قالت الدكتورة هالة الباجي في مقالها ثقافة اللا إنساني: "ثقافة اللا إنساني الديمقراطية شعارًا للهيمنة أو للحكم الثيوقراطي المنزَّل. وبدل أن تشيع وسائط الاتصال فهم الأشياء، فإنها تعزز اللامفهوم. إن الفروقات الثقافية، بدل أن تتنوَّع سلميًّا، تنحو باتجاه ممارسة متشابهة: استخدام العنف. والمنحی الإنسي الذي يهدف لأن يصب في مصلحة المستضعفين، يترافق مع السعي إلى التفوق عبر القوة، ويتخذ بُعدًا يستند إلى العناية الإلهية، إلى درجة يصبح معها (لا إنسانية سماوية)، أصبحت محاربة العنصرية متزمتةً بقدر العنصرية، ومحاربة الاستعمار فاشية مثل الاستعمار. لقد ضاعفت الفردانية الأمراض المتعلقة بالخصوصية بدل شفائها. ولقد أدى القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة إلى ازدياد الهوس الجنسي. إن حقوق الضعفاء تَستنسخ التعسف نفسه الذي يلجأ إليه الأقوياء، إلى درجة أن حقوق الضحايا تُترجَم من خلال سلوكيات يستخدمها الجلادون. وتعبِّر عن ذلك أستاذة الحقوق في جامعة باريس کاترین لابروس-ريو، بقولها إن حقوق الإنسان قد تراجعت لتحلَّ محلها مبادئ غامضة، يتم تفسيرها انطلاقًا من أيديولوجيات فردانية وكيفية، متجاهلين بذلك الفكرة القائلة أن القانون هو قبل كل شيء تنظيم العلاقات بين البشر، على قاعدة الحقوق والواجبات، وليس على أساس تعظیم فرد منعزل يمتلك حريات لا حصر لها يمارس بواسطتها السلطة على غيره، أي بالحد من حرية وكرامة الآخر، إن أحد التحديات الأكثر دقة «اللا إنساني» ينبع إذن من الإنسانية ذاتها، حين تتحول الحقوق الثقافية الضاغطة إلى قابلية مقنعة للقوة. لقد خانت الإنسانية نفسها للمرة الأولى حين ابتكر الأوروبي باسم الحضارة حقه الثقافي الأول المتمثل بالجريمة الاستعمارية. قابل ذلك خيانة ثانية حين قام المتحرر من الاستعمار، انطلاقًا من وضعيته كمقهور سابق، بتنصيب نفسه ظالما". أقول أنا عبد الله: مشكلة هذه الدكتورة وغيرها أنها تصدِّق إمكانية وجود النموذج الطوباوي الذي في رأسها في الواقع، والحق أنه نموذج مستحيل التطبيق وفقط يستخدمه الأذكياء ليقنعوا الحمقى أنهم يعيشون في جحيم فيدمروا ذلك الجحيم الموهوم، ليجدوا أنفسهم في جحيم آخر ربما أكثر بؤسًا، هكذا هي النسوية، وهكذا عامة الأفكار الحقوقية الجامحة التي تنتشر بين الناس خصوصًا الشباب الصغار الْيَوْم، فكر طفولي مدمِّر، ساذج جدًّا ولكنه خطير وفتَّاك بقدر ما هو ساذج، وهذه السذاجة هي منبع شبهاتٍ انتهت بكثير من الناس إلى مكابرة البراهين والاحتقان تجاه الدين وأهله والشعور بأن الدين حمل ثقيل، علمًا أن الطريق الإصلاحي السليم لا يتم بهذه الطريقة الفتاكة، غير أن الصلاح المطلوب ليس هو ذلك الحلم المستحيل الذي يسكن في أذهان الكثيرين، والسعادة أهون بكثير مما يظنون.