كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل الخوارج مجتهدون لا يكفَّرون ولا يفسَّقون عند ابن تيمية؟

المصدر
هل الخوارج مجتهدون لا يكفَّرون ولا يفسَّقون عند ابن تيمية؟ من أهم المشكلات العلمية في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أن ينشر أحدهم اقتباسًا مختصرًا دون سباقه ولحاقه وسياقه، ليوصل فكرة إلى القارئ. فتحتاج لكي تشرح الأمر للناس أن تأتي بالسياق كاملًا، ثم تؤيد قراءتك من بقية كلام الشيخ المحال الكلام إليه، وهذه عملية تطول، وكثير من الناس كسالى، فيبقى النص المختزل المختصر أرسخ في الذهن من الشرح المطول، غير أن المرء لا بد له من بيان وإن كانت هذه العقبة الكَأْداء لا تزول بسهولة. قال ابن تيمية في منهاج السنة (5/239): "الثاني أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية. وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها. وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم". هذا النص ينتشر هذه الأيام ليُنزل على أعيان الأشعرية خاصة فيُنفى عنهم التكفير والتبديع، علمًا أن الكلام عام، وهنا سؤال: ما داعي ذكر هذا الكلام في كتاب يرد على الرافضة؟ الجواب: أن الرافضة يكفِّرون الصحابة باجتهاداتهم في الفتنة، وأن الرافضي جمع أخطاء المعظِّمين لأبي بكر وعمر من كل الفرق وجعلها مُسقِطة لهم بالكلية، مفضِّلة للرافضة عليهم، فكان الشيخ يبين هنا أنهم حتى لو أخطأوا لا يكونون شرًّا من الرافضة على كل حال. وهنا سؤال آخر: ابن تيمية ذكر مذاهب الصحابة والتابعين فهل لكلامه تتمة تشرح ما الذي نقله عن الصحابة؟ الجواب: ابن تيمية شرح الأمر بنفسه فقال في منهاج السنة (5/ 241) أيْ بعد صحيفتين من النقل المذكور: "وأصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب وغيره لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقكم من الفيء". فالمثال الحاضر على أصحاب العقائد الذين لم يكفروا هم الخوارج بنص كلام الشيخ، ولا يعقل أن الشيخ يرى أن الخوارج ليسوا فساقًا، وإذا كنت ترى الخوارج لم يكن قصدهم متابعة الرسول فينبغي أن تقول هذا في المتكلمين أيضًا، فالخوارج ما صرَّحوا بتقديم العقل على النقل ولا دعوى أن ظواهر النصوص تشبيه. فكلام الشيخ حين تحدث عن الذي لا يكفر ولا يفسق أراد المسائل العملية والنظرية الخفية، ولما تكلم عن العقائد نفى التكفير عن عامة أهل البدع من أهل القبلة أصحاب الثنتين وسبعين فرقة، ولم يقصد أنهم ينتفي عنهم الفسق كما ينتفي عن الفقهاء المجتهدين المخطئين. وهذا ما لا يفهمه عامة من يورد هذا الكلام، وهو أنه أصالة وارد في الخوارج، فهم أهل البدع في زمن السلف، وطريقة المعاصرين التشديد فيمن يكفِّر بالباطل والتسهيل فيمن يضل في باب الأسماء والصفات، لاستهوانها عندهم. وجرت عادة ابن تيمية في عامة تصانيفه في تفضيل الخوارج على نفاة الصفات. فدائمًا يكرِّر أن السلف أخرجوا الجهمية من الثتنين وسبعين فرقة (إشارة إلى تكفيرهم) وأدخلوا الخوارج. وقال في التسعينية: "وقول الجهمية فيه من التنقص والسب والطعن على السلف والأئمة وعلى السنة ما ليس في قول الخوارج والروافض. فإن الخوارج يعظمون القرآن ويوجِبون اتباعه وإن لم يتبعوا السنن المخالفة لظاهر القرآن وهم يقدحون في علي وعثمان ومن تولاهما وإن لم يقدحوا في أبي بكر وعمر. وأما الجهمية فإنها لا توجب بل لا تجوِّز اتباع القرآن في باب صفات الله كما يصرحون به، كالرازي ونحوه من المعتزلة وغيرهم فضلًا عن أن يتبعوا السنن أو إجماع السلف، فالجهمية أعظم قدحًا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء. ولهذا تنازع العلماء من أصحابنا وغيرهم هل هم داخلون في الثنتين والسبعين". والتسعينية أصلًا رد على الأشعرية، وصرَّح في رده على الرازي أن السلف ذموا نفاة العلو بأكثر مما ذموا به الخوارج، وصرح أيضًا أنهم لم يعتبروا مسألة العلو اجتهادية، ولا جعلوها من جنس بدع الخوارج والقدرية، بل جعلوها شيئًا أعظم. =