=
=
قال ابن تيمية في منهاج السنة: "وهذا القول الثالث هو الغالب على أهل الحديث لا يرون الرواية عن الداعية إلى البدع، ولا شهادته، ولهذا لم يكن في كتبهم الأمهات كالصحاح، والسنن، والمسانيد الرواية عن المشهورين بالدعاء إلى البدع، وإن كان فيها الرواية عمن فيه نوع من بدعة كالخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، وذلك لأنهم لم يدعوا الرواية عن هؤلاء للفسق كما يظنه بعضهم، ولكن من أظهر بدعته وجب الإنكار عليه بخلاف من أخفاها، وكتمها، وإذا وجب الإنكار عليه كان من ذلك أن يُهجَر حتى ينتهي عن إظهار بدعته، ومن هجره أن لا يؤخذ عنه العلم، ولا يُستشهد.
وكذلك تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء، والفجور منهم من أطلق الإذن، ومنهم من أطلق المنع، والتحقيق أن الصلاة خلفهم لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في نفسها لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا، وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين، ومن هذا الباب ترك عيادتهم، وتشييع جنائزهم كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه"
تأمَّل ذكره ترك اتباع جنائزهم في إنكار المنكر والهجر المشروع يعني ما يؤجر فاعله احتسابا!
وقال الشيخ أيضا كما في مجموع الفتاوى: "وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم. وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين، لا يؤخذ عنه العلم، ولا يستقضى، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك. ومذهب مالك قريب من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة"
فتأمل هذا التفصيل الدقيق!
وكما أن من يُسوِّي بين الداعية وغير الداعية من جهة التشديد تتشوف النفوس لرميه بالغلو، فكذلك من يُسوِّي بين المبتدع غير الداعية وداعية البدعة المكفرة من كل وجه لا شك أنه وقع في الجفاء.
وفي الأخير: هل ورد عن أحد من أهل العلم أنهم أنكروا على من يترحم على داعية بدعة وإن لم يكفروه أو من ترحم على صاحب بدعة مكفرة؟
الجواب: نعم، قد ورد هذا
قال العقيلي في الضعفاء: "حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا بشر بن السري قال: ترحمت يوما على زُفَرَ وأنا مع سفيان الثوري، فأعرض بوجهه عني".
وهذا إسناد صحيح، وسفيان إمام مجتهد، وزفر ما كان مكفرًا، ولا صاحب بدعة مكفرة
وفي ذيل طبقات الحنابلة على لسان ابن عقيل في توبته المشهورة: "واعتقدتُ في الحلاج أنه من أهل الدين والزهد والكرامات. ونصرتُ ذلك في جزء عملته. وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قُتِل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو. ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم فإن ذلك كله حرام. ولا يحل لمسلم فعله لقول النبي ﷺ: «من عظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هَدمِ الإسلام»"
والحديث الذي ذكره لا يصح عن النبي ﷺ، وإنما هو أثر مشهور بين السلف، والمعتزلة أكثر ما نقم الناسُ عليهم إنكار العلو والقول بخلق القرآن، وقد شركهم بذلك متأخرو الأشعرية وزادوا انحرافات شديدة في باب التصوف وتوحيد الألوهية
ومعلوم أن الترحم شيء، والإعلان بهذا الترحم شيء آخر، وإعلان الترحم مع التقريض باب ثالث، وإعلان الترحم مع سب من لا يترحم أو من يذكر بدعة الميت ووصفه بأنه يُضيِّق رحمة الله أو أنه يدخل في الموت ما يخالف المروءة أو الرحمة أو الأخوة هذا باب رابع أعلى من كل ما سبق، وأعلى من ذلك كله الاجتهاد في الإنكار على من يكفر ببدعة مكفرة -في أصلها- باتفاق الجميع مع الاجتهاد بالاعتذار للمخالف هذا باب آخر، وإغفال كون ترك الترحم من باب الهجر المشروع وإنكار المنكر (خصوصًا إذا استُغلت وفاة الشخص للترويج لكتبه التي فيها انحرافات) هذا باب أعمق وأبعد غورًا
وقال شيخ الإسلام كما في الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٢): "ومن كان مبتدعا ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار المشروع أن يُهجر حتى يتوب، ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه، وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد ابن حنبل وغيرهما من الأئمة والله أعلم".
بل ومَن لم يُنكِر عليه أمام العامة لا بترك ترحم ولا تنبيه على ما عنده من غلط وترَك الأمر للدرس العقائدي الخاص لا يخلو حاله من تقصير، بل هناك اليوم ترحُّمان، ترحمُ متأسِّف للحال القبيح التي مات عليها الإنسان رجاء العفو والمغفرة -وهو الذي تكلم عنه ابن حزم-، وهناك ترحمُ معظِّم، هو من جنس الترضي على الصحابة، يكون مقرونًا بذكر مناقب الرجل، فهذا الضرب هو الأكثر في الناس وهو الذي يفتنهم ويغرِّرهم.
وهذا التعليق إنما استدعاه النظر في أسطر قليلة من الكلام، ومررت على البقية سريعًا!