التفويض مذهب احتيالي
التفويض مذهب احتيالي
التفويض في باب الصفات يراه بعض الناس ورعاً وفي الواقع هو مذهب احتيالي والسبب في ذلك أن التفويض يكون له حالان
الحال الأولى : التوقف مع تجويز أن يكون الظاهر مراداً وهذا توقف لا معنى له
فأنت لو قلت ( بل يداه مبسوطتان ) أفوضها مع جواز أن يكون ظاهرها مراداً دون امتناع عقلي فيقال خذ بالظاهر ولا تتوقف ما دام يجوز أن يكون مراداً فالأصل في الأخبار أن تؤخذ على ظاهرها ولا معنى للتوقف ما دام هناك ظاهر فالتوقف يكون عند الإشكال فحسب
الحال الثانية : التوقف مع الجزم بأن الظاهر غير مراد فهذا في حقيقته احتيال وليس تفويضاً ورعاً
فأنت لو سألتك البيت الفلاني أبيض أم أسود فقلت لا أدري الله أعلم ولكنه ليس أسود فأنت قلت أنه أبيض ولكن بالتفاف
فلو توقفت في قوله ( بل يداه مبسوطتان ) فقلت لا أدري هل هما القدرة أم غير ذلك ولكن الله منزه عن ظاهر الآية فأنت صنعت صنيع المؤول فكلاكما يثبت القدرة وينفي الظاهر ولكن أنت تثبتها من نصوص أخرى فقط وهو يثبتها من النصوص الأخرى ومن هذا النص فحسب
فإذا عرفت أن هذه حقيقة التفويض استحال عندك أن يكون هذا مذهب السلف وعليه تحمل كلماتهم لسبب يسير وهو أن السلف شنعوا على الجهمية الذين يؤولون النصوص فلو كان مذهبهم هو حقيقة مذهب الجهمية في المآل ما شنعوا عليهم كل هذا التشنيع
فتصور أنني أنا وأنت على العقيدة نفسها ولكن اختلفنا في النص الفلاني هل يتوقف فيه أم نحمله على تفسير يوافق عقيدتنا نحن الإثنين فهل يجوز لي والحال هذه أن أتكلم بتضليلك وتكفيرك
إن فعلت هذا فأنا سفيه أو متناقض
وأنت تجد في صحيح البخاري ( كتاب التوحيد والرد على الجهمية ) ثم عامة تبويباته ظاهرها الإثبات لا التفويض أو صنوه التأويل
وفي كتاب الإيمان من صحيح مسلم أورد حديث الرؤية وحديث المعراج ونور أنى أراه وحجابه النور وكل ذلك واضح في أنه يريد إثبات الصفات
وأما أبو داود ففي كتاب السنن قال باب فى الجهمية ثم أورد أخباراً في الإثبات
وأما ابن ماجه فوضع باب فيما أنكرت الجهمية ثم سرد أحاديث الصفات
وأما النسائي فله كتاب النعوت من السنن الكبرى كله في سرد أخبار الصفات
وأما الترمذي فقال في جامعه : وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة "، وقال إسحاق بن إبراهيم: " إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع.
وواضح من كلامه أنه يريد الإثبات
فإن قيل : لعل المفوض يتوقف في الظاهر هل يناقض العقل أم لا يناقض العقل ؟
فقلنا : إذا كانت دلالة العقل ظنية والعقلاء اختلفوا فالواجب رد الأمر للنصوص ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) لا أن نتوقف في ظاهر كلام الله ورسوله لأننا تنازعنا !!
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى : " ونظير هذا قول بعض نفاة الصفات لما تأمل حال أصحابه وحال مثبتيها قال: لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا فإن هؤلاء إن كانوا مصيبين فقد نالوا الدرجات العلى والرضوان الأكبر وإن كانوا مخطئين فإنهم يقولون: نحن يا رب صدقنا ما دل عليه كتابك وسنة رسولك إذ لم تبين لنا بالكتاب والسنة نفي الصفات كما دل كلامك على إثباتها فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك وكلام رسولك فإن كان الحق في خلاف ذلك فلم يبين الرسول ما يخالف ذلك ولم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول بل إن قدر أنه حق فلا يعلمه إلا الأفراد فكيف وعامة المنتهين في خلاف ذلك إلى الغاية يقرون بالحيرة والارتياب. قال النافي: وإن كنا نحن مصيبين فإنه يقال لنا: أنتم قلتم شيئا لم آمركم بقوله وطلبتم علما لم آمركم بطلبه. فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة وأنتم لم تمتثلوا أمري".