كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قوت لا كالأقوات…

المصدر
قوت لا كالأقوات… قال الله تعالى: {يا أيها المزمل (١) قم الليل إلا قليلاً} [المزمل]. عامة أهل العلم يرون أن قيام الليل كان فرضاً على النبي ﷺ، وتواتر مداومته عليه وإطالته فيه، ومن الناس من يذكر هذا في دلائل النبوة إذ يفرض عليه هذا الأمر الشاق على أفراد الناس، فلو كان كاذباً ما كلَّف نفسه هذا الأمر الشديد. غير أن السؤال هنا: ما وجه الحكمة في فرض ذلك على النبي ﷺ؟ لعل في هذه الآيات جواباً: قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة]. وقال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (٩٧) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} [الحجر]. فإن قلت: ما وجه دلالة الآيات على الحكمة من فرض قيام الليل على النبي ﷺ؟ فيقال: في الآية الأولى ذِكر أنه بالمؤمنين رؤوف رحيم وعزيز عليه عنت الناس فهو أرحم الخلق بالخلق، لهذا يشتد عليه ضلال الضالين وما يصيب المؤمنين من البلاء منهم، لا شكاً ولا قنوطاً ولكن رحمةً بالخلق ورأفةً بهم. وفي الآية الأخرى الوصية له بأنه إذا ضاق صدره بما يقول أهل الباطل بأن يتجه للصلاة، ففيها القوت والصبر {واستعينوا بالصبر والصلاة}، فلما كان النبي ﷺ أعظم الناس رأفةً ورحمةً والمسئولية الدعوية عليه عظيمة ناسب أن يُفرض عليه ذلك، ليحصل له من التصبر بالصلاة ما يُعينه على إتمام مهامه الدعوية، مع ما هو عليه من حرص شديد على الخلق. وهذا يضاف إلى ما ذكرناه في شأن صلاة الخوف، فإنها في الواقع قوت للصبر في القتال، فلا فصل بينها وبين أي استراتيجية في قتال الأعداء أو توفير القوت للمقاتلين {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}. لاحظ {واذكروا الله كثيراً} والصلاة أعظم الذكر، وهذا في حال الجهاد، واليوم لطغيان المادية على العقول صارت مثل هذه المعاني بعيدة غاية عن النفوس. وقد وعى العلماء العاملون هذا المعنى، قال ابن القيم في «الوابل الصيب» وهو يتكلم عن فوائد الذكر: "أنه قوت القلب والروح، فإذا فقدَه العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرتُ شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لَم أتغد الغداء سقطت قوتي".