كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ابن تيمية وفلسفة ”الرأي والرأي الآخر“..

المصدر
ابن تيمية وفلسفة ”الرأي والرأي الآخر“.. فشت في زماننا سفسطة تكافؤ الأدلة والتي يزعم أهلها أن عامة نزاعات بني آدم هي وجهات نظر بمعنى أنه، إما أن الحق ليس واضحاً لهذا اختلف الناس، وإما أنه لا يوجد حق أصلاً! ولما فشى هذا المعنى في الناس صار الخطاب الإعذاري سواءً كانت بيناته قوية أو ضعيفة أكثر قبولاً من أي خطاب يضيق باب الإعذار تحت أي ذرائع. وهذا معنى ينبغي أن ينتبه له في محاكمة المقالات فاليوم الأمر لا يقف عند الموافقة أو المخالفة وإنما تقويم الموافق والمخالف أيضاً. قال ابن تيمية في الرد على الشاذلي معلقاً على نظير هذه الفكرة: «ومعلومٌ أن هذا مكابرة للحس والعقل والشرع وهو من جنس أقوال الفلاسفة إن كمال النفس في مجرد أن تعلم بل من المعلوم بالضرورة بعد التجربة والامتحان أن الإنسان قد يعرف أن هذا رسول الله وما في قلبه من محبة الرياسة والحسد له ونحو ذلك يوجب أن يبغضه ويعاديه أعظم من معاداة من جهل أنه رسول الله وقد قال تعالى في حق آل فرعون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل 14] وقال تعالى فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام 33] وقال تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة 146] . وإبليس لم يكن كفره بتكذيب فإنه لم يبعث إليه الرسول بل أمره الله بالسجود فاستكبر عن ذلك فكان كُفْرهِ مِن ترك الخضوع والعبادة لله لا من باب التكذيب لخبره وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ومعرفتها من أهم الأمور فإنَّ بها يعرف الإيمان وسعادة الإنسان وما بعث الله به الرسل». فهنا الشيخ ينقض هذه الفكرة بأن الأمر ليس معلومات فحسب بل معلوم أن المرء قد يعرف الحق ولكنه يعانده حسداً أو بغضاً وقد يفرط في طلب الحق فيكون جهله ذنباً لا عذر له فيه. وهذا لا ينفي وجوده إلا مكابر؛ فمكابرة الحق أمر وجوده معلوم بالاضطرار فلماذا فقط الخلافيات العقدية لا يتصور فيها هذا؟ هذا محض تحكم. ومن تأثر بالفلاسفة والمتكلمين يزعم أن عامة حوارات المنحرفين ينبغي أن تكون بالمحاججة مهما كانوا معاندين للبديهيات وأن الوعظ والتذكير لا مكان له في الجدليات العقدية وليس كذلك ومن تدبر القرآن علم أن طريقته هي أكمل ما يكون، إذ فيها من إزالة دواعي الباطل باختلافها؛ ففيه التنبيه والبيان ونقض الشبهات وكذا الوعظ والتذكير والترغيب والترهيب.