في رحاب فقيه المدينة المنسي...
في رحاب فقيه المدينة المنسي...
مشهور عند الناس أن فقهاء المدينة في زمن التابعين سبعة (وهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة).
والذي لا يعرفه كثير من الناس أن هناك فقهاء على مستوى هؤلاء في المدينة ولم يُذكروا معهم لبعض الأسباب.
من أشهر هؤلاء التابعي الكبير قبيصة بن ذؤيب.
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل حَدثنا صالح بن أَحمد بن مُحَمد بن حَنبل، حَدثنا علي، يعَني ابن المديني، قال: سَمعتُ جَريرا ذكر عَن مغيرة، عَن الشَّعبي قال كان قبيصة بن ذُؤَيب من أَعلم النَّاس بقضاء زَيد بن ثابت.
حَدثنا عَبد الرَّحمَن حَدثنا أَبو سَعيد الأَشج، حَدثنا حَفص، حَدثنا الأَعمش قال: حَدثنا أَبو الزناد قال كان فقهاء أهل المدينة أَربعة سَعيد بن المُسيَّب وعُروة بن الزُّبير وقبيصة بن ذُؤَيب، وعَبد الملك بن مَروان.
تأمَّل كلمة أبي الزناد وثقلها، وأبو الزناد من شيوخ الثقات، وهذا الرجل قبيصة كان من الفقهاء العلماء، وتأمَّل ثناء الشعبي عليه والشعبي عراقي وقبيصة مدني شامي.
ولعله أُسقط من فقهاء المدينة لاحقًا لكونه يذهب للشام كثيرًا وقد كان والده صحابيًّا.
قال عبد الله بن أحمد في العلل ١٨٣٦- حَدَّثَنِي أَبِي، قال: حَدَّثَنَا ابن مَهْدِي، عن حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حَجَّاج بن أرطاة، عن أَبِي بَكْر بن أَبِي الجَهْم، أن أهل الكُوفَة أمروه أن يسأل قَبِيصَة بن ذُؤَيْب عن ولد المعتقة عن دُبِر.
تأمَّل أن أهل الكوفة يسألونه (مع أنهم عندهم فقهاء) في مسألة فقهية وهو مدني سكن الشام زمنًا، وهذا يدل على اشتهاره بين الناس بالعلم، وأحاديثه في عامة كتب العلم وكذلك فتاويه، وخبره مشهور في ميراث الجدة اعتمدته الأمة وأجمع العلماء على توريث الجدة السدس بروايته (ولها عواضد).
وقال محمد بن راشد، عن مكحول: ما رأيت أعلم من قبيصة ابن ذؤيب.
ومكحول فقيه الشام وقد أثنى عليه الزهري أيضًا فقال: "كان من علماء هذه الأمة". فتأمَّل ثناء جميع الناس من مختلف الأقطار عليه.
وذكره مُحَمَّد بْن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، قال: وكان تحول إلى الشام، وكان آثر الناس عند عَبد المَلِك بْن مروان، وكان على خاتم عَبد المَلِك، وكان البريد إليه، وكان يقرأ الكتب إذا وردت، ثم يدخلها على عَبد المَلِك، فيخبره بما فيها، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث.
فهذا فقيه منسي آخر على عظيم أثره، رحمه الله ورضي عنه.
ومع اتفاق الناس على فضله لم يسلم من طعن أهل البدع، فجاء حسن بن فرحان المالكي مقلدًا لبعض الرافضة طاعنًا فيه بهذه الرواية.
جاء في المعرفة والتاريخ قرأت على محمد بن حميد قال: حدثني سلمة وعلي بن إسحاق قالا: عن عمران بن أبي كثير قال: قدمت الشام فإذا قبيصة بن ذؤيب قد جاء برجل من أهل العراق فأدخله على عبد الملك بن مروان فحدثه عن أبيه عن المغيرة بن شعبة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
إن الخليفة لا يناشد. قال: فكسي وأعطي وحبي. قال فحك في نفسي شيء، فقدمت المدينة، فلقيت سعيد بن المسيب، فحدثته فضرب يده بيدي ثم قال: قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية! والله ما من امرأة من خزاعة قعيدة في بيتها إلا قد حفظت قول عمرو بن سالم الخزاعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
أفيناشد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يناشد الخليفة! قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية!
فزعم أن قبيصة كان يُدخِل الكذابين على عبد الملك ليقولوا له إن الخلفاء لا يحاسَبون، ولو أنصف حسن من نفسه لبحث في إسناد الرواية ووجد فيها محمد بن حميد الرازي وهو متهم بالكذب، وراويها عمران بن أبي كثير مجهول ليس له توثيق، فكيف يعتمد مجهول للطعن في عالم عابد ثقة، سبحان الله، هو كان يطعن في عبد الله بن أحمد لإيراده مثالب إمام أهل الرأي وكان يزعم أنها لا تصح، ثم هو يصدق رواية في سندها مجهول وكذاب للطعن في رجل اتفق العلماء على توثيقه وأنه فقيه عابد.
وهناك رواية أخرى تنسب قبيصة والزهري لإبراهيم بن سعد في كتاب المجتنى لابن دريد وهو سكير وفي السند يعقوب الزهري ومعاوية الصدفي وكلاهما فيه كلام شديد وهناك في أنساب الأشراف تجعل السب على الزهري دون قبيصة والبلاذري لا يعتمد فما وثقه معتبر وأسامة بن زيد شيخ المدائني إما العدوي الضعيف جدا وإما لا يعرف.