كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ثنائية الاجتماع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

المصدر
ثنائية الاجتماع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. كثير من الناس إذا سمعوا الأمر بالحث على الاجتماع فإنه يخطر على باله التغاضي عن الأخطاء مهما عظمت لتحصيل مصلحة الاجتماع. والعجيب أنك لو تدبرت في سياق قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} لوجدت الأمر على خلاف هذا الظن. قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104)}[آل عمران]. بعد آية الاعتصام بحبل الله جاءت الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبيان أنه لا تعارض بين الأمرين، بل إن السكوت والمداهنة مآله إلى مزيد من الافتراق. وفي الآية الأولى الإشارة إلى الفرق بين الخلاف الذي يكون فيه كلا الطرفين مذموماً، والخلاف الذي يكون فيه مذموم ومحق. فقال تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} الحفرة هي الجاهلية، واختلاف أهل الجاهلية مبني على العصبية، بمعنى أنك مع قومك لا لأن قضيتهم عادلة بل لأنهم قومك. وهل أنا إلا من غزية إن غوت ...غويت وإن ترشد غزية أرشد وهذه الحفرة لها نظائر اليوم باسم الوطن أو القومية أو العرق، فإن بنى الإنسان موقفه على هذه الاعتبارات فإنه لا يمكنه تغيير موقفه، لأن هذه الاعتبارات لا تتغير، ولا يلوم غيره ممن هو من قبيلة أو بلد أو عرق آخر ممن يكون له موقف مضاد، والمقدمة نفسها معه، وهي نصرة قومه. بخلاف الموقف العقدي الديني فهو مبني على اعتقاد بني على أدلة، فاختلاف الناس العقدي لا يقاس على اختلافهم الجاهلي بل هذا اختلاف فيه طرف مصيب وطرف مخطئ، وإن كان كلا الطرفين مخطئاً فلا بد أن يوجد طرف مصيب وإن كان ثالثاً أو رابعاً بحسب المختلفين في القضية، فالحق موجود والباطل موجود، والحق ممكن ادراكه، ولولا هذه المقدمة ما صحت للناس قضية. ولهذا تجد في الآيات التي تليها {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}. في هذه الآية إشارة إلى أهل البدع الذين افترقوا في هذه الأمة، كما افترقت الأمم السابقة بعد بلوغ الوحي إليهم اتباعاً للهوى. ولهذا ورد عن بعض السلف في تفسير {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة (وهذا وإن لم يصح إسناده عن ابن عباس فإن السياق يدل عليه). فمن قاس الذين وجوههم مبيضة لأنهم اعتصموا حقاً بحبل الله على الجاهليين وأهل الدنيا الذين يقتتلون على الدنيا، وهذه الآيات بسياقها وتفسيرها شاهد لحديث الافتراق والفرقة الناجية. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقسم الناس إلى أصناف: صنف عرف الحق وعمل به. ومعه فريق آخر تواضع للحق بعد إن لم يعرفه علماً أو عملاً، وهؤلاء حققوا الاعتصام بحبل الله. وصنف آخر ما عمل بالحق إما جهلاً أو عناداً أو إعراضاً، وهؤلاء ملحقون بأهل الجاهلية -من ناحية الذم الإجمالي وإلا فليسوا كلهم كفاراً- ومآلهم إلى الافتراق.