كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب المفتي الأول للديار المصرية

المصدر
في رحاب المفتي الأول للديار المصرية كان يقال لنا أن المرء إذا أراد أن يشتهر في أي مجال فعليه أن يعرف نفسه بالمصريين فإذا عرفوه تعرف عليه بقية الناس ومما يحزنني حقاً أن أول من أدخل حلق تدريس الحلال والحرام إلى مصر هو مجهول عند غالب المصريين بل وغالب المسلمين مطلقاً وقد كثر المشتغلون بعلم الحديث في الديار المصرية في السنوات الأخيرة وكنت أنتظر أن يتكلم أحد هؤلاء المشتغلين في شأن الشخص الذي سأتحدث عنه إذ أن ذكره فاش في كتب الحديث ولكن لم أر كبير أحد تحدث ولعله يوجد من تكلم ولكنني لم أقف عليه الشخص الذي أشير إليه هو يزيد بن أبي حبيب أحد علماء التابعين وله جزء حديثي مطبوع واحتج به وخرج له عامة أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد قال أبو سعيد بن يونس : كان مفتى أهل مصر فى أيامه ، و كان حليما عاقلا ، و كان أول من أظهر العلم بمصر ، و الكلام فى الحلال و الحرام و المسائل ، و قيل : إنهم كانوا قبل ذلك يتحدثون بالفتن و الملاحم و الترغيب فى الخير . معنى كلام ابن يونس أنهم لم تكن عندهم مجالس خاصة للحلال والحرام وإنما كانت فتاوى فردية فهو أظهر الحلق الخاصة بمدارسة الحلال والحرام وكان هذا الأمر له حضوره في الحرمين والبصرة والكوفة وبلاد الشام وأما مصر فأول من أدخل هذا لهم يزيد بن أبي حبيب وقد تتلمذ على يزيد بن أبي حبيب الليث بن سعد عالم مصر في زمن أتباع التابعين والناس يعرفون الليث وقل من يعرف يزيد علماً أن الليث تعلم في المدينة أيضاً وزامل مالكاً وكان الشافعي يقول الليث أفقه من مالك غير أن أصحابه لم يقوموا به . غير أن الشافعي استفاد من فقه الليث وكان هذا واضحاً في رده على أستاذه مالكاً الذي عنون له ب( اختلاف مالك والشافعي ) وهو مطبوع ضمن الأم و قال الليث بن سعد : يزيد بن أبى حبيب سيدنا و عالمنا . وقد كان يزيد أسود نوبياً قال يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله _ يعني أحمد ابن حنبل _ يقول: العلم خزائن يقسم الله لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحداً كان أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أولى، كان عطاء بن أبي رباح - واسم أبي رباح أسلم - حبشياً، وكان يزيد بن أبي حبيب نوبياً أسوداً، وكان الحسن البصري مولى للأنصار، وكان ابن سيرين مولى للانصار. وهذا يبين لك تسامي الناس في زمن التابعين عن اعتبارات الجاهلية مع أن فقهاء المدينة السبعة عامتهم من قريش ومن الأعيان ومع ذلك ما احتكروا العلم وما ارتبط العلم بالنسب في أذهان الخلق ومما يدل على شهرة يزيد بالعلم رواية سليمان التيمي وهو من علماء البصرة عنه ، ورواية محمد بن إسحاق وهو من علماء المدينة عنه والعالم إذا روى عنه غير أهل بلده من الأعيان علم أنه اشتهر في ذلك الزمان حتى رحل إليه وأنت إذا نظرت في كتب الحديث ستجد أحاديث الكوفيين في الأحكام أكثر بكثر من أحاديث المصريين ومع ذلك لما ظهر في المصريين فقهاء ما كانوا أهل رأي وظهر في الكوفيين من هم أهل رأي مع وجود أهل الحديث مما يدل على أن الاعتذار العصري البارد لأهل الرأي من أهل الكوفة بأنهم ما كان عندهم حديث مثل أهل الحرمين اعتذار بارد لا يقوم ومما استدل به الناس على وثاقة يزيد ونهمه في العلم روايته عن أقرانه مثل الزهري بالإجازة بل إنه روى عن تلاميذه وهذا من تواضعه وحرصه على العلم قال الذهبي في تاريخ الإسلام :" روى عن عبد الله بن الحارث بن جزء وأبي الطفيل وإبراهيم ابن عبد الله بن حنين وسعيد بن أبي هند وعراك بن مالك وعلي بن رباح وخلق كثير حتى إنه روى عن تلامذته" ومن آثاره الجليلة أنه حارب بذور التشيع المبدأية في تفضيل علي على عثمان في مصر عن ابن لهيعة قال: كان أسود نوبيا ولد سنة ثلاث وخمسين سمعته يقول: كان أبي من أهل دمقلة ونشأت بمصر وهم علوية يعني شيعة فقلبتهم عثمانية. ( هذه ذكرها الذهبي في عدد من تصانيفه ولم أقف على مصدرها الأصلي ) وقد بحثت عن مقالات كتبت عن هذا الرجل أو فيديوهات في اليوتيوب فلم أجد إلا شيئاً يسيراً ومن غير متخصصين أو مشاهير ومرجع هذا والله أعلم أن المناهج الدراسية إذا وضعت فإنها لا تعنى بحملة سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مشاهير المشاهير منهم وأغلب الاهتمام بأصحاب الانجازات الدنيوية وأما طلبة العلم فكثير منهم همته أحوال المتأخرين فحسب ، وأما أصحاب المشاريع الإصلاحية فبابهم الحديث عن القادة الفاتحين والأمراء العادلين ومن له مواقف في أئمة الجور من أهل العلم فحتى لو كانت الشخصية لها باب في العلم والعبادة والنظر فإنهم يحصرونها في هذه السياقات وهكذا قرأوا كل تاريخ الأمة =