فقال في الدرء (٧/ ٣٢):
فقال في الدرء (٧/ ٣٢):
"فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقًا لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.
ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
ونوع ثالث سمعوا الأحاديث، والآثار، وعظموا مذهب السلف.
وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها.
وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم، ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله".
أقول: ليس كل من ذكرهم الشيخ طبقة واحدة في النفي، فعدد منهم يثبت الصفات الذاتية، ومنهم من اضطرب قوله وحُكي عنه رجوع، ولكن الشيخ يحلل سبب أصل الإشكال وقسَّمهم لثلاث طبقات، طبقة ذكر فيها رجلاً معتزلياً (ولا أحد يتشنج من حكم شديد على معتزلي) وأخرى ذكر فيها بشرًا المريسي والثلجي (وهؤلاء معلوم كلام السلف فيهما) وثالثة ذكر فيها ابن فورك (وكلام السجزي فيه معروف، وقد وصفه بأنه إمام ضلالة، وحتى ابن عقيل يقول عنه ابن قدامة أن شيوخ الحنابلة كفَّروه لما دخل في التعطيل والحمد لله قد رجع).
وما أحسن ما قاله ابن تيمية مع تكلمه على هؤلاء حيث قال: "وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.
فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك".
ومن أراد أن يُظهر كلام هؤلاء على أنه بوابة غلو أو الغلو المحض لأجل مجاملة بعض المخالفين أو الحفاظ على مكانة بعض شخصياتهم المشهورة فقد هدم مِن مكاسب أهل الإسلام أكثر مما أراد الإبقاء عليه، وحُسن القصد لا يتلازم مع النتائج الصحيحة، فكم من مريد للحق لم يبلغه.
وهؤلاء الذين وصفهم الشيخ بأنهم خلفاء الرسل وورثة الأنبياء، هل يمكنك أن تبحث في موقفهم من أهل الرأي خلال كتبهم التي بين أيدينا وتخبرني بالنتيجة؟ وهل هم أقرب لمذهبي أم مذهبك؟ وهنا أخاطب المنصِف المتدين ولا أحد غيره، فهذا الذي يُطمع فيه.