كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

شفاعة الملائكة مفتاح علاج الكثير من الانحرافات العقدية والفكرية اليوم..

المصدر
شفاعة الملائكة مفتاح علاج الكثير من الانحرافات العقدية والفكرية اليوم.. قال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم] هذه الآية على وجازتها فيها الرد على صنوف من أهل الباطل. فأولًا: ملائكة السماوات ثبت أثرهم في مغفرة ذنوب المؤمنين وأن لهم شفاعة وأن لهم جاهًا عند الله عز وجل وأن أهل الإيمان ينتفعون بذلك. ومع ذلك لا يؤثر عن أحد من أهل القرون الفاضلة برواية صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة الاستغاثة بملائكة السماوات في مغفرة الذنوب ولا حتى التوسل بجاههم فضلًا عن سؤالهم أو التوسل بهم في أمور أخرى غير موضوع الآية. بل فهموا من ذكر الإذن والمشيئة لله عز وجل أن الشفاعة حقيقةً بيد الله، فمن أراد أن يسألها يتجه لله عز وجل لا للمخلوق الذي جعله الله سببًا فحسب. ثانيًا: ورد في الحديث أن الملائكة تلعن المرأة الناشز التي تحرم الزوج حقه من غير ما بأس، وفي القرآن ذكر أن وظيفة الملائكة الاستغفار، فعُلِم أن المرأة المطواعة لزوجها بالمعروف أولى بالاستغفار من غيرها بقياس العكس. ومن هذا يُعلم أن طاعة المرأة لزوجها بالمعروف باب من أبواب كفارات الذنوب العظيمة، فلا تخلو المطواعة من استغفار الملائكة لها كغيرها من أهل الإيمان أو بزيادة لها خاصة لأنها عاكست حال من تلعنها الملائكة. وفي مثل هذه المعاني نقض لأطروحات النسوية وما يقارنها مما يهدم الأسر. ثالثًا: حضور شفاعة الملائكة بعد الإذن والرضا فيه الرد على الخوارج الذين أنكروا الشفاعة، فإن ثبوت إحدى صور الشفاعة يعني ثبوت غيرها من باب أولى. فلو لم يكن استغفار الملائكة مؤثِّرًا ما جعله الله، وأثره إما في نفي العذاب من أصله لمن استحقه أو تخفيفه، والآية عامة. ثم تعليقها على المشيئة والرضا عن المشفوع له فيه رد على المرجئة ومَن يتأثر بهم ممن يتَّكل على الشفاعة ثم يُقدِم على المعاصي، وقد ورد في السنة أحاديث في أقوام لا تنالهم الشفاعة. ولمَّا سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعةَ قال له "أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود" فعُلِم أنه لا بد من جهد عملي للمشفوع له، وذكر الصلاة وذلك برهان على أنها من الإيمان وهي خير عمل المؤمن. وفي الحديث الآخر "أسعَدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا مِن قِبَلِ نفْسِه"، فذكر التوحيد في هذا الحديث والعمل الصالح في الحديث الآخر إذ أن بعض الناس بالغ في أمر الشفاعة حتى خرج به ذلك إلى شيء من الشرك أو الإرجاء فجاءت السنة بعلاج هذا. رابعًا: تأثير استغفار الملائكة مع شرط الإذن والرضا يُبيِّن لنا الرد على القدرية والجبرية، فأصل ضلال الفريقين اعتقاد استقلال فعل العبد أو استقلال فعل الخالق، فالقدرية ما رأوا إلا فعل العبد فحسب وقالوا العباد يخلقون أفعالهم، والجبرية رأوا فعل الخالق فحسب وقالوا العباد مجبورون ولا فعل لهم على الحقيقة. وفي الآية إثبات لأفعال مؤثرة للعباد ولكن مع شرط إذن الله ورضاه المبني على حكمته وعدله وفضله سبحانه. خامسًا: تخصيص ملائكة السماوات بالذكر دليل على شرفهم وقد تشرَّفوا بالقرب من الله عز وجل الذي فوق العرش. قال تعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} [الأعراف] {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} [فصلت] وآيات العندية ونظائرها من أعظم ما يَستدِل به أهل الحديث ومن وافقهم من أهل النِّحَل على منكري العلو، لأن العندية تقتضي القرب، وفي فِطَر الناس تعظيم جهة العلو. سادسًا: أهل السماوات مخلوقات نورانية عظيمة جليلة ومع ذلك لا يمكن أن تنفعنا ما لم نكن موحدين، وانتفاعنا بهم مرهون بقوة تعلقنا بالله. فخاب وخسر مَن جاء لبيئات بشر مثله وعلَّق بهم رغبتَه ورهبتَه وسماهم مجتمعات متقدمة متحضرة حتى أنسوه ذكر الله. فتأمَّل رعاك الله كيف أن هذه الآية على وجازتها حملت هذه المعاني الجليلة، ومَن ضمَّ النصوص بعضها إلى بعض انتفع بها أكثر من غيره.