فتاوى التحليل..
فتاوى التحليل..
المحلل هو رجل يتزوج امرأة لا يريدها حقاً وإنما ليحلها لزوجها الذي طلقها ثلاثاً، وقد لقب في السنة بالتيس المستعار.
ومن الفتاوى ما هو تحليل ليس بمعنى تحليل الحرام، وإنما هي فتاوى لها ظاهر معقول ولكنها في الباطن تحلل أمراً بائساً وتمهد له.
من فتاوى التحليل الحديث اليوم عن التعدد على أنه (مباح) فحسب، والترهيب من عدم العدل في التعدد والحديث عن أنه ليس هو الأصل.
كل هذا تحليل لإصدار قانون يحرم ما أحل الله من التعدد تحت أي ظرف كما حصل في بعض البلدان مثل تونس (والتي تسجل معدلات كارثية في العنوسة).
حين يكون الفقيه أو المفتي لا يعي ما يحصل حوله أو متآمر مع أصحاب الأجندات التغريبية فإنه يغمض عينه عن البلاء النسوي المنتشر والفكر التغريبي الطافح، ويذهب يذم أموراً نادرة جداً في المجتمع، ويترك بلايا فكرية وسلوكية فاشية.
هناك مثال تاريخي مغمور لفتاوى التحليل هذه:
جاء في كتاب بيوت الخفاء في حلب الشهباء لإياد جميل محفوظ: "فبادر والي حلب (رائف باشا) في العام (1900) إلى إصدار قانون جديد يتيح منح تراخيص افتتاح بيوت بغاء أسوة بمدن السلطنة العثمانية الأخرى. إن هذا القرار هتك حجب تقاليد المجتمع ومزق ما توارثه من أعراف".
ثم عن الشيخ محمد راغب الطباخ قوله في كتابه إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء: "كما أن له آثاراً حسنة -يعني الوالي- فإن له أثراً قبيحاً عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وهو فتح بيوتاً مخصوصة للفحش".
ثم قال الكاتب: "من جهته يرجح المحامي والباحث (علاء السيد) في مقالته القيمة التي كتبها عن (بحسيتا ... حكاية بيوت المتعة في حلب) في عام (2008) أن يكون هذا القانون أقر بالاعتماد على الفتوى الشرعية التي صدرت عن الإمام أبي حنيفة المعروفة بدرء الحد عن واطيء المستأجرة" (هذا النقل مستفاد من باحث واسع الاطلاع وليس من جهدي).
أقول: الحنفية ليس مذهبهم حل الزنا بالعواهر المستأجرات، فهذا لا يقوله مسلم ولا هم يقولون بأن فاعل ذلك يترك بلا عقوبة فهذا ما قال به أحد.
ولكنه قالوا أنه يعزر تعزيراً دون الحد، ولولا أنني رأيت بعض العلمانيين والرافضة والنصارى ينسبون لهم إباحة الزنا بالمستأجرة أو تركه بلا عقوبة مطلقاً ما ذكرت هذا الأمر خصوصاً وأن اليوم الناس لا يقيمون الحدود.
وسبب قولهم بهذا القول أنهم رأوا أن الاستئجار فيه شبهة مهر والحدود تدرأ بالشبهات، وهذا قول فاسد غاية، وقد كان أهل الحديث يتعجبون من أهل الرأي في درئهم للحدود بأدنى الشبهات، ثم قولهم بقتل المسلم بالكافر فاستباحوا دم المسلم بشبهة، ولما أورد هذا الإيراد على زفر بن الهذيل (أحد الحنفية الكبار) رآه قوياً ورجع عن قوله.
فإن قيل: ما داموا لم يقولوا بالإباحة فكأن المحامي أخطأ وافترى حين زعم أن فتح بيوت الدعارة تم بسبب هذه الفتيا.
فيقال: هذه الفتيا لا تبيح الزنا بالمستأجرة حقاً وإنما تدرأ الحد (انظر الاختيار والتعليل ص44) غير أنها إذا أظهرت في زمان يراد فيه إباحة هذا الأمر فإن هذا سيحدث تلبيساً عند العامة أو يهون هذا الذنب في أنفسهم، فتكون من فتاوى التحليل، وهناك فتاوى كثيرة في هذا الزمان من هذا النوع يتركون المنكر الواضح ثم يختارون الكلام في أمر مشتبه هو ذريعة لهذا المحرم القطعي، أو يختارون أخف الأقوال في الذنب ويحيطون هذا باتهام غيرهم بالتشدد والغلو وضيق الأفق.
ولهذا اشتد المحدثون في أمر النبيذ المختلف فيه (الذي يسكر كثيره دون قليله) لعلمهم أن الأمر ذريعة للسكر وشرب الخمر حتى قالوا بضرب شارب النبيذ الحد، ولا شك أن إنزال العقوبة من الحد إلى التعزير مما يخفف من شأن الذنب العظيم.
ومن فتاوى التحليل الصريحة: "الفتوى رقم (90) مسألة تعدد الزوجات... التعدد مباح، وإنه يجوز بصورة محققة، ولوليّ الأمر أن يمنع الناس من فعل هذا المباح لوجود مضرّة فيه"!
(فتاوى محمد الطاهر بن عاشور، جمع وتحقيق: محمد بن إبراهيم بوزغيبة، مركز جمعية الماجد للثقافة والتراث-دبي، الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م، ص٣٦٤.)
هذه الفتيا هي مبدأ قانون منع التعدد في تونس ويتحدث عن (ولي أمر) يمنع من أمر ما منع منه كل حكام المسلمين على مر التاريخ، وولي الأمر هذا غير عارف بالمصالح والمفاسد من الناحية الشرعية وإنما يفكر بطريقة الغربيين أو طريقة متأثرة بها، وهؤلاء لا يعتدون لا بالدين ولا الأعراض.