جاء في كتاب التذكرة الفخرية لبهاء الدين الإربلي المتوفى عام 692 :" عز الدين أبو
جاء في كتاب التذكرة الفخرية لبهاء الدين الإربلي المتوفى عام 692 :" عز الدين أبو الحسن بن شيخنا الرضي رضي الدين أبي الهيجا علي بن حسن بن منصور بن موسى الإربلي الأنصاري الأوسي، شاب يستوقف العيون حسنه، وشاعر أجاد وما بلغت الثلاثين سنه، له أشعار كالروضة تمج الندى، وقصائد أشهى إلى الأسماع من نغم الحدا، ومقاصد طابت جنًى وعذبت مورداً، رقيق حواشي الكلام، سهل العبارة، سلس النظام، لهج بالهوى فعذب شعره، وفارق حبيبه فرق نظمه ونثره، كان والده رضي الدين شيخنا، رحمه الله تعالى، أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه، شيخ الأدب وفارسه، وموري زناد الفضل وقابسه، ومنشئ دوح العلم وغارسه، قد أتقن علم النحو والتصريف وعرف بهما معرفة لا يدخلها التنكير فيفتقر إلى التعريف، لحق جماعة من العلماء وقرأ عليهم وروى عليهم منهم: مجد الدين عمر العنسفي ومحب الدين أبو البقاء العكبري وزين الدين يحيى بن معط المغربي وتاج الدين أبو اليمن زيد ابن الحسن الكندي وعلم الدين أبو القاسم بن الموفق الأندلسي وموفق الدين يعيش بن علي بن يعيش الحلبي وغيرهم، رحمهم الله، وكان على ذهنه، رحمه الله، نحو كثير في الغاية، وكان شديد العناية بالإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، وحفظ المفصل للزمخشري وكرر عليه وقد نيف على الستين، وكانت رتبته في التصريف عالية في الغاية بحيث أني ما رأيت أحداً من النحاة الذين ترددوا إلى إربل حاوروه وبحثوا معه إلاّ ألقاهم إلى التصريف، وتوفي، رحمه الله، في شوال سنة تسع وأربعين وستمائة.
قال لي: يا فلان في هذه السنة أموت، فقلت: يعيذك الله ما أوجب هذا؟ قال: منذ عرفت نفسي كنت أشتغل بالأدب في السنة تسعة أشهر وأتفرغ في شهر رجب وشعبان ورمضان للتكرار على الكتاب العزيز وهذه السنة ما لي همة إلاّ في القرآن المجيد، وكان يعمر داراً فقلت: هذا القول مناقض لهذا الفعل، فقال: هذه تربة أُدفن فيها، فقلت: هلا تقفها، فقال: أضيّق على أولادي بل يدفنوني فيها فإذا ضجروا مني أخرجوني وانتفعوا بها فجرى الأمر على ما قال، رحمه الله، لم يخرم حرفاً واحداً، ويوم موته كان في داره طير راعبي فلما غُسل ألقى الطير نفسه في ماء الغسل وما زال يضرب بنفسه ورأسه في الماء إلى أن مات وشاهده جماعة. قرأت عليه اللمع لابن جنّي وقطعة صالحة في الإيضاح، وأجاز لي أن أروي عنه مشايخه كلما قرأته عليهم ورواه عنهم بشروطه"
أقول : قد تعجبت من معرفته قرب موته بإقباله على القرآن !
غير أن الذي أشجاني فعلاً كونه كان يشتغل ثلاثة أشهر في السنة بالقرآن فحسب مع أنه أديب معروف ومن قرأ أشعاره لم يظن أن هذه حاله مع القرآن
وهنا تذكرت العديد من طلبة العلم ممن أقبلوا على كتب الأدب بحجة تقوية البلاغة وأن العربية تساعد على فهم القرآن وواقع حالهم أنهم استروحوا لما في كتب الأدب من الملح الملهيات من أخبار الملوك والمجان والعشاق والشعراء والنساء وما في أخبارهم من عجائب وغرائب يبدو على كثير من آثار الكذب وذلك لا يقع من القلب موقع أخبار الصالحين والنظر في الحديث والفقه والتفسير فإن ذلك يقودك إلى محاسبة النفس على التقصير والإقبال على العمل بخلاف الأخبار التي تملأ كتب الأدباء فغايتها إجمام النفس إن كان ثمة إجمام وإلا فالكثير مما فيها يغم النفس المعتدة بالإسلام وآدابه وأخلاقه
وكان الأمر في البداية تقوية بلاغة ومساعدة على فهم القرآن ثم تجد صاحبنا صارت علاقته تضعف شيئاً فشيئاً بالقرآن وعامة العلوم الشرعية ، ولو صدق في دعواه أنه يريد فهم القرآن فأعلم الناس بالقرآن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الباب الذي منه يفهم القرآن على وجهه ، ثم ما ورد عن أصحابه الكرام فهم في اللغة كمثل الشعراء الجاهليين عرب أقحاح ثم هم شهدوا التنزيل وقضوا أعمارهم في تلاوة القرآن وتدبره والمحاماة عن تنزيله وتأويله ، فمن ظن أنه بدراسة بعض أشعار الجاهليين أحظى بفهم القرآن من ذاك الذي خبر الآثار فذلك ظنه غرور ، ثم في تفاسير المتقدمين ذكر القدر الذي يستعان به من شعر العرب على تفسير بعض غريب القرآن ومن فقد ذلك برمته وعرف تفسير السلف لم يفته من مقاصد القرآن الكبرى شيء بخلاف العكس ، فالعلماء العاملون ثوروا القرآن واستخرجوا منه كنوزاً في العقيدة والأحكام والسلوك وكلامهم مبثوثهم في آثارهم وقدر يسير من هذه الكنوز أنفع بمراحل من أشعار الجاهليين برمتها ، وما اضطرني إلى هذا الكلام سوى أنني رأيت تلك الحبالة فشت بين بعض صغار الطلبة فأورثتهم العناية المجردة بأشعار الجاهليين مع ما نشاهده من عامة أهل الزمان من ضعف المعرفة بالآثار
=