داء حب الإغراب
داء حب الإغراب
قال الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية : أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبا، والثابت مصروفا عنه مطرحا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين .
وقال ابن رجب في شرح علل الحديث معلقا : وهذا الذي قاله الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح لكتب السنة ونحوها ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل " مسند البزار "، و " معجم الطبراني "، و " أفراد الدارقطني "، وهي مجمع الغرائب والمناكير.
أقول : هذا داء يفشو في العديد من طلبة العلم أنهم لا يعنون ب( الأهم ) وإنما يعنون ب( الأغرب ) لإظهار التميز على الأقران
وقد كان الأوائل يتعلمون للعمل واليوم يتعلمون للتباهي والتفاخر إلا ما رحم ربي
وما عاد طلب الغريب في الأحاديث بل صار في تتبع الفلاسفة الغربيين على جهة الانتفاع بكلامهم كما ينتفع السني الأثري بكلام الأنبياء والصالحين مع ضعف ظاهر في تتبع العلوم النافعة التي ينتهي سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لظنهم أنها ليست باب تميز
ولا شك أن التشوف للفائدة الجديدة أمر محبب للنفوس وليس هذا المقصود بالذم وإنما المقصود أن يصير الإعراب هاجسا حتى قبل تحصيل العلوم الأصلية وغاية يتكلف لها المرء تكلفا زاهدا بكل ما يراه مألوفا وإن كان حقا
وفِي أعيان العصر للصفدي في هذا المعنى :
ومن شعر كمال الدين الأدفوي، رحمه الله تعالى:
إنّ الدروس بمصرنا في عصرنا ... طبعت على لغطٍ وفرط عياط
ومباحثٍ لا تنتهي لنهايةٍ ... جدلاً ونقلٍ ظاهر الأغلاط
ومدرّسٍ يبدي مباحث كلّها ... نشأت عن التخليط والأخلاط
ومحدّثٍ قد صار غاية علمه ... أجزاء يرويها عن الدّمياطي
وفلانة تروي حديثاً عالياً ... وفلان يروي ذاك عن أسباط
والفرق بين عزيرهم وعزيزهم ... وافصح عن الخيّاط والحنّاط
والفاضل النحرير فيهم دأبه ... قول أرسطا طاليس أو بقراط
وعلوم دين الله نادت جهرةً ... هذا زمان فيه طيّ بساطي
ولّى زماني وانقضت أربابه ... وذهابهم من جملة الأشراط