من فِقه الإمام أحمد في تثبيت أديان العامة
من فِقه الإمام أحمد في تثبيت أديان العامة
جاء في كتاب القصاص والمذكرين لابن الجوزي :" وقد روى أبو بكر الخلال قال: أخبرني منصور بن الوليد قال: أخبرنا جعفر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن القاص. فقال: إذن ما أحوج الناس إلى قاص صدق {
قال: وأخبرنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يعجبني أمر القصاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر.
قلت لأبي عبد الله: فترى الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقا، لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر"
أقول : قد ظهر في زمان الإمام أحمد المعتزلة وفيهم من أنكر الميزان وعذاب القبر ( وليس هذا مذهب كافتهم ) فكان الإمام أحمد يعجبه أن يكون لأهل السنة واعظ صدوق يرقق قلوب العامة بذكر الجنة والنار وأهوال يوم القيامة وفي الوقت نفسه يثبت عقائد أهل السنة في قلوبهم
وأكد الإمام أحمد على قوله ( صدوق ) لأن القصاص يكثر في أحاديثهم ذكر الأمور التي لا تثبت ، وهذا الذي نبه عليه الإمام مما غفل عنه كثير من الناس ممن تجده غافلاً عن العامي حتى إذا داخلته الشبهات بدأ يحاوره والحوار يكون عقلياً محضاً
ولا ننكر فائدة نقض الشبهات والحديث العقلي غير أن المشاهد أن كثيراً من الناس يكون تفاعله مع الشبهات قوياً لأنه ينظر للدين على أنه عبء وذلك يكون عن غفلة من الرغبة والرهبة الأخروية والأحوال الإيمانية العلية من لذة الطاعة واستشعار الأنس ومشاهدة آثار أسماء الله وصفاته
فهذا باب من أبواب الوقاية وتكون فيه الوقاية أيضاً من مذاهب أهل الباطل إذ يعتاد الناس سماع غيرها ممن يثقون بدينه وصدقه ويكون لهذه الأمور أثراً طيباً على قلوبهم وأخلاقهم ، ولا زلت أتعجب من كثرة حديث المفتونين في زماننا عن عذاب القبر ومحاولة إنكاره ( مع أن هناك عذاب ونعيم للقبر وليس عذاباً فقط ) وأقول في نفسي ما داعي هذا الحماس وهناك النار أيضاً
ثم بعد التدبر استبان لي أن الناس يعظهم المحسوس أكثر من الغائب فإذا ارتبط القبر الذي يرونه بعاقبة الذنوب السوء كان ذلك أوعظ لهم ، ولما كان كثير من المفتونين فيهم نزعة إباحية اشتدوا في هذا ليضعفوا تلك المواعظ الزاجرة
ومما يلاحظ اليوم قلة المواعظ وإن كانت حقاً حتى أن العالم يشهد أحداثاً مهولة والوعظ بذلك قليل ولو حدث هذا قبل عشر سنين لكان للوعاظ آنذاك شأن آخر ولكان هذا باباً لتوبة كثيرين ولكن مع الأسف ثمة إيغال بالخطاب الحجاجي التنزلي ولا مشكلة في ذلك على أن يكون سلماً للوعظ فإن كثيراً من الناس يصدهم عن الحق قلة الإنصاف وليس قلة الفهم
جاء في كتاب مثالب الوزيرين للتوحيدي :" وقال الخثعمي: زعم أنه إنما منَع المذكّرين والقُصّاص لئلا يفشو الحشو والتشبيه ولِئلا يُنشِّئوا عليه الصغير والكبير، فهلاّ منع من الكلام والجدل لئلا يفشو الإلحاد، ولا تكثر الشُّبه؟"
هذا الوزير صنع عكس ما أراد الإمام أحمد فهو فهم أن القصاص ينشرون العقيدة الصحيحة ضمن المواعظ فحرص على منعهم ، وهذا يقع نظيره اليوم فربما رأيت من يذم بعض الدعاة ممن يورد أخباراً لا تصح ويكون قصده بغض المواعظ مطلقاً لكونها تخالف عقيدته الباطنة أو مجونه ولكنه يتذرع بهذه الذريعة وعلامة الإنصاف الاقتصار على القدر المذموم في النقد والسعي في نشر القدر السليم أو تعويضه
قال أبو حاتم الرازي: أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة ثلاث عشرة ومائتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب الأشربة وكتاب الإيمان، فصلى ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته، وأتيته يوما آخر فإذا قد أخرج الكتابين، فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك لأن كتاب الإيمان أصل الدين، وكتاب الأشربة صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر.
"الجرح والتعديل" 1/ 303
الإمام أحمد يحرص على أن يقرأ العامة كتاب الأشربة فما قصة هذا الكتاب ؟
الخمر أم الخبائث كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص وذلك لأن المرء إذا شربها سهلت بقية الفواحش والبلايا وكان أهل الإسلام من الخمر في سلامة ، حتى جاء ذكر النبيذ والمقصود منه عصير مشتد يسكر كثيره ولا يسكر قليله تأول بعض الناس في شرب القليل منه من القدر الذي لا يسكر
وأفتى من أفتى بإباحته ولكن صار هذا باب شر فكثير من الناس لم يقفوا عند القدر المأذون به حتى تجاوزوا إلى السكر وقد ذكر ابن حزم عن بعض مشاهير الخلفاء العباسيين ممن له مناقب معروفة وعليه مآخذ واشتهر أنه يسكر أنه كان يشرب النبيذ المختلف ويبدو أنه لم يقف عند الحد المرخص به حتى دخل في السكر
وكان هذا حال كثير من العامة وقاعدة الشريعة سد الذرائع فلو لم يرو حديث ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) لكانت الشريعة دالة على ذلك في الأحاديث الأخرى مثل حديث النهي عن الخليطين وحديث النهي عن تخليل الخمر والنهي عن بيع الخمر للمشركين كل هذه الأحاديث تبعد عن الخمر من كل وجه وكل طريق يفضي إلى الخمر
=
=
من نظر في أخبار المجان من الشعراء وغيرهم في كتب الأدباء يعلم ما جر هذا الأمر على الناس من الشر ( على أن كتب الأدباء لا تخلو من كذب كثير فهم يتحرون الغرابة لا الصدق ) غير أن أصل الأمر وجد وكان الإنكار عسيراً فتجد السكير يضع النبيذ عنده فإذا أنكرت عليه قال لك إنما أشرب القدر المباح ثم إذا تركته ربما سكر ووقعت منه البلايا
ولهذا كانت من الفتاوى العجيبة حكم الإمام أحمد والإمام الشافعي بجلد من يشرب النبيذ المختلف فيه وقد استشكل ابن مفلح هذه المسألة مع قول بعض الناس لا إنكار في مسائل الخلاف ( والواقع أن القاعدة ليست على إطلاقها ) فقال في الآداب الشرعية :" ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدا فيه كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا بأنه لا يجوز، ومثلوه بشرب يسير النبيذ والتزوج بغير ولي، ومثله بعضهم بأكل متروك التسمية. وهذا الكلام منهم مع قولهم يحد شارب النبيذ متأولا ومقلدا أعجب لأن الإنكار يكون وعظا وأمرا ونهيا وتعزيرا وتأديبا وغايته الحد، فكيف يحد ولا ينكر عليه أم كيف يفسق على رواية ولا ينكر على فاسق؟"
ورواية الجلد معتمد المذهب ولابن تيمية تعليق بديع عليها يراجع في مظانه
وأرى مثل أمر النبيذ اليوم أمر الغناء فلو فرضنا أن هناك غناء مباحاً فالغناء المشتهر بين الناس غايته تهييج الغرائز في زمان فشت فيه الفتن وهذا أوضح من أن يشرح فكما رأى أحمد الرد على من أجاز النبيذ المختلف فيه وتعليم ذلك للعامة فكذلك تحسم المادة في هذا الباب بذكر القول المشهور من المنع المعازف والغناء إلا في حالات معروفة كالدف في العرس
وأيضاً الإمام أحمد يقرأ على الناس كتاب الإيمان ويقصد بذلك الرد المرجئة القائلين العمل ليس من الإيمان واليوم يكثر عند العامة قولهم ( الإيمان في القلب ) وهذا إرجاء أشد من الإرجاء الذي حاربه أحمد فأولئك الذين كان الإمام يرد عليهم كانوا يقولون الإيمان قول واعتقاد ويخرجون العمل من مسمى الإيمان مع إقرارهم بأن الله يحاسبنا على الأعمال
وخلاصة هذه الثلاثية أن أضر شيء على العامة إبعادهم عن الوعظ الصادق وتعويدهم على الرخص التي تأخذهم إلى المحرمات الصريحة والإرجاء الذي يجعلهم يستهونون أمر الأعمال وفشو ذلك في الأمة له آثار سيئة جداً ولو تدبرت أحوال الناس في أمة الإسلام على مر التاريخ وفي زماننا لوجدت فساد أحوالهم يعود إلى هذه الأمور خصوصاً من استبدل الوعظ الصادق بالجدل الكلامي الذي يفسد العقائد أو الإيغال في التصوف الفلسفي المبني على خيالات عجيبة
وروى الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث عن يونس بن سليمان السقطي قوله : يونس بن سليمان السقطي، وكان، ثقة، قال: «نظرت في الأمر، فإذا هو الحديث والرأي. فوجدت في الحديث ذكر الرب تعالى وربوبيته وجلاله وعظمته، وذكر العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه. ونظرت في الرأي، فإذا فيه المكر والغدر والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه».