اتفاق علماء الإمامية على مخالفة فهم خطبائهم لقوله تعالى: {قال الذين غلبوا على أم
اتفاق علماء الإمامية على مخالفة فهم خطبائهم لقوله تعالى: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} [الكهف:21].
عامة خطباء الشيعة وشيوخهم المعاصرين إذا ردوا على أهل السنة الذين يسمونهم وهابية يستدلون بقوله تعالى: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} على استحباب بناء المساجد على قبور الأولياء.
ومع أن الآية ليست صريحة بتأييد كلام هؤلاء، وليست صريحة في الدلالة، فبعضهم قال (عليهم) يعني عندهم، ولو دلت على الجواز في شريعة من تقدم فشريعتنا حرمت تعظيم القبور وتجصيصها والبناء عليها.
وعلماء أهل السنة يعتمدون على ما تواتر في كتبهم من النهي عن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها.
غير أن المفاجأة أن عامة علماء الشيعة يرون كراهية البناء على القبور، وإنما استثنوا قبور الأنبياء والأئمة المعصومين، ومعلوم أن أصحاب الكهف ما كانوا معصومين ولا هم أنبياء.
قال الخرازي في البحوث العامة في المكاسب المحرمة (6/ 95) بعد أن ذكر الروايات في تحريم البناء على القبور: "فاستفادة حرمة البناء من هذه الروايات محل إشكال سندا ومتنا ولعله لذا جعله في المكروهات حيث قال في عد المكروهات: والبناء عليه إجماعا كما في المبسوط والتذكرة سواء كان القبر في أرض مسبلة أو مملوكة لاستفاضة النصوص على النهي عنه المحمول على الكراهة إجماعا".
وفي المستند أيضا: "واستثنى الشهيد وجماعة من ذلك الحكم (أي الكراهة) قبور الأنبياء والأئمة مدعيا إطباق الإمامية على أن يبنوا عليها مخصصا للعمومات بالإجماع على البناء في عهود كانت الأئمة عليهم السلام ظاهرة بينهم وبعدهم من غير نكير وبكون قبر الرسول صلى الله عليه وسلم مبنيا عليه وبالأخبار الدالة على تعظيم قبورهم وعمارتها.
أقول (القائل الخرازي) : أما إطباقهم على البناء ففيه كلام فإن الأكثر من السلاطين والذين لا يملكون مخالفتهم سيما مع عدم الاهتمام بالمخالفة إذ غايته الكراهة.
وأما قبر الرسول فهو واقع في البناء لكونه في بيته لا البناء عليه وأما تعظيم القبور فهو غير البناء عليها نعم يحسن التخصيص بما دل في فضل تعمير قبورهم".
أقول: وهنا للشيعة تلاعبان:
الأول: دعواهم وجود روايات في فضل تعمير قبور الأئمة، فالرواية المشهورة في تهذيب الأحكام: "وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحن إليكم، وتحتمل المذلة والاذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله، ومودة منهم لرسوله، أولئك -يا علي- المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي،وهم زواري غدا في الجنة".
والتي فيها اللفظ الذي يردده الخطباء عادة أن زائركم سيعير كما تعير الزانية بزناها، هذه الرواية في سندها عبد الله البلوي وهو كذاب عند السنة والشيعة، وعادة يقولون نتسامح في روايته لأنها في الفضائل، ولكنهم هنا خصصوا بها حكما.
وذكروا لها شاهدا في مستدرك الوسائل فيه مجاهيل، كأحمد بن زكريا بن طهمان ووالد النصير الطوسي وغيرهم، فهم فقط ينتقدون أسانيد روايات التحريم.
الثاني: أن الروايات التي لأجلها قيل بالكراهة هي أصلا في قبور الأنبياء، وفيها لفظ اللعن الذي يدل على التحريم.
جاء في علل الشرائع للصدوق: "حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال قلت له الصلاة بين القبور قال صل في خلالها و لا تتخذ شيئا منها قبلة فإن رسول الله (ص) نهى عن ذلك و قال و لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا فإن الله تعالى لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وهذا الخبر المجلسي ما صنع معه شيئا سوى زعمه أنه ورد تقية، وكيف يكون تقية والسائل لم يسأل عن اتخاذ القبور مساجد من البداية بل معصومهم تبرع من عنده بذكر الموضوع.
وهم يزعمون أنهم لا يستندون على الإجماع كأهل السنة.
وعموما حتى لو أخذنا بقول المتأخرين القائل بالكراهة في غير قبور الأنبياء والأئمة (علما هذا الاستثناء لا وجود له في كلام متقدميهم) فإنهم قد خالفوا الفهم السائد للآية، وقد قال الطبرسي أن الله ما مكنهم من اتخاذ مسجد على قبور القوم.
ثم ظهر تلاعبهم بقبولهم روايات الكذابين عندهم والمجاهيل، ثم محاولتهم نقد الروايات التي تخالف الممارسات السائدة مع أنها كثيرة مستفيضة.
وقد قال السبزواري في ذخيرة المعاد بعدما استثنى الأنبياء والأئمة: "وربما يستثنى قبور الصلحاء والعلماء أيضا لما فيه من تعظيم الشرع".
وهكذا يخالف إجماع المتقدمين باستثناء من عنده لأجل مصلحة تحصيل النذور للقبور، ولو كان عنده بينة قرآنية لقالها، ولكنه متردد يحكم بالقياس الذي يزعمون أن أهل السنة قالوا به لأنهم ليسوا عندهم معصومين، والذي يفعله هنا هو القياس!