كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= هذا الكلام من كتاب [الفقه على المذاهب الأربعة] لعبد الرحمن الجزيري في كتاب النكاح وهو يتكلم عن أحكام نكاح المرتد، وهذا الكلام لي معه وقفات إذ أنه يتضمن التنبيه على مسائل عديدة مهمة. أولها: أنك ترى الجزيري وهو أزهري أشعري يقول إن قول المعتزلة في القرآن سليم وعليه أدلة وبراهين. ويحمل كلام أحمد على الورع والأدب، وأيُّ أدب وورع في أن تخالف القول الصحيح وتكفّر أهله!! بل خلاف أحمد معهم حقيقي، وميلُ الجزيري لهم لا يُستغرَب لأنه يفهم مذهبه الأشعري جيدًا. فالمعتزلة والأشاعرة متفقون على نفي الأفعال الاختيارية لله عز وجل، والفعل له بداية ونهاية والقرآن الذي بين أيدينا كذلك، لهذا جميعهم قالوا بخلقه والخلاف بينهم لفظي. الإمام أحمد حين ظهرت اللفظية ثم الكلابية قال إنهم هم والجهمية سواء، ووافقه على ذلك العلماء، لهذا تجد في كثير من كلامهم تكفير اللفظية باعتبارهم جهمية (ذكر ذلك ابن تيمية). الأشعرية يذكرون كلام اللفظية ثم إذا استمروا رأيتهم يميلون لكلام المعتزلة ويقولون: ما بين أيدينا مخلوق، ومن هنا تعلم عظيم بصيرة أحمد والسلف حين قالوا: هم سواء. وكلام الجزيري لا يخرجه عن كونه أشعريًّا لأنه فهم حقيقة وِفاق المعتزلة لهم وأن دائرة خلافهم ضيقة بخلاف نزاعهم مع أهل الحديث والحنابلة. فأحمد وفقًا لتقرير الجزيري إما رجل غير عاقل يقول بقدم شيء عليه أمارات الحدوث، أو موافق للمعتزلة حقيقةً ومع ذلك يكفرهم! وإما قائل بالأفعال الاختيارية وهذا الأخير هو المتعين. ثانيها: هنا هو يبحث بحثًا فقهيًّا، فما الذي جرَّه لهذه المسائل؟ في الواقع الفقه يتقاطع مع مسائل الاعتقاد في باب العدالة وباب المرتد وأحكامه، ويدخل في مسائل في الأيمان والصلاة وغيرها. وما يذكره جماعة من المتأخرين من أن مسائل الفقه مطلقًا محل غموض أو لا تثريب فيها على المخالف ناشئٌ عن غفلة عن هذه الفروع. وبطبيعة الحال كل فقيه سيُدخِل عقيدته في هذه الأبحاث سواء وافق عليها إمام المذهب أو لا. ثالثها: انتقد الجزيري تكفير من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وقول "أنا مؤمن إن شاء الله" هو قول أهل السنة، ومَن يكفرهم ويبدعهم هم جماعة من فقهاء الحنفية لأن الحنفية يغلب عليهم الإرجاء، والجزيري نفسه يقول: الحنفية والماتردية شيء واحد. يعني أن غالب متأخري الحنفية ماتردية. وقد أدخلوا عقائدهم في الكتب الفقهية المتأخرة، والإرجاء له أصل في متقدمي الحنفية أيضًا ولكن المتأخرين أشد، وهذا أمر متكرِّر تاريخيًّا، وهذا يدلك على أن الخلاف القديم بين أهل الحديث وأهل الرأي لا زال مستمرًّا. وهذا الغلو في التكفير حتى مَن يخالفه منهم لا يخلو من غلو في التفسيق، وفي الكتب المذهبية المتأخرة من مظاهر الغلو الشيء العظيم، تارةً مع نقد وتارةً مجردة دون اتهام للعلماء بالخارجية. وما كنا نحتاج لهذا التنبيه لولا أن كثيرًا من المذهبيين صار يُقدِّم نفسه للناس على أن المذهبية هي المنقِذ مِن تنطُّع السلفية العصرية مستعطفًا للعوام والمتأثرين بالقيم الغربية، فتعيَّن كشف هذا الخداع.