إما أن تكون بدعة أو لتظهر بركتها في هادميها!
إما أن تكون بدعة أو لتظهر بركتها في هادميها!
قال المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك (2/380): "وقدم البريد من دمشق بأن تقي الدين أحمد بن تيمية تنازع مع أهل دمشق في الصخرة التي بمسجد النارنج بجوار مصلى دمشق وأن الأثر الذي بها هو قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأن ما يفعله الناس من التبرك به وتقبيله لا يجوز وإنه مضى بالحجارين وقطع الصخرة في سادس عشر رجب وقد أنكر عليه الناس ما فعله فأجيب إن كان الأمر على ما زعم فقد فعل الخير وأزال بدعة وان كان الأمر بخلاف ما قال فإذا تبين صحته يقابل على ما فعله".
معنى هذا الكلام أن هناك صخرة في زمن ابن تيمية كان أهل دمشق يزعمون أن فيها أثرًا من قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبركون به!
وسبحان الله أهل الشام في القرون الفاضلة ما عرفوا شيئًا كهذا.
فقام ابن تيمية بتحطيم هذه الصخرة حتى لا يتبرك بها أحد.
فأنكر عليه الناس واشتكوه للسلطان، فجاء جواب السلطان العجيب بأن هذه الصخرة لو كانت بدعة كما يقول ابن تيمية فقد أحسن بإزالة البدعة، وإن كانت مباركة كما تزعمون "يقابل على ما فعله"، وقصده بهذا أنه سيصيب ابن تيمية قارعة بفعله، فالذين يعتقدون بالأولياء والأموات والأحجار يعتقدون أنها تنفع وتضر وليس فقط تنفع.
وليت هذا الأمر يقال في عموم الأضرحة الفاشية في البلدان الإسلامية فهي باتفاق ليست من الواجبات ولا المستحبات ولا كانت حاضرة بهذا الشكل في القرون الأولى.
فليت المعتقدين بها يسمحون لغير المعتقدين بهدمها ليروا ما الذي سيصيبهم، فإن ذهبت ولم يقع شيء علموا أنهم كانوا مفتونين بها فتنة من جنس فتنة قوم إبراهيم بأصنامهم وكان ذلك بابًا لهدايتهم ونظرهم في النصوص من جديد.
فإن ماحك منهم مماحك وقال: فلماذا لا نسمح للكفار بهدم مساجدنا إن كان كذلك.
فيقال له: أما إننا نتخذها دورًا للعبادة ولا نعتقد فيها قداسة أو نفعًا أو ضرًّا، وهي أمور ضرورية أمر الله عز وجل ببنائها للعبادة، وأما أضرحتكم فليست من هذا الباب، ولو عاش المسلم ومات ولم ير ضريحًا بعينه فإسلامه لا يخدش بشيء باتفاق كل الناس، بل الواقع أنه لو رأى ضريحًا وتعلق به فذلك باب الشرك.
قال ابن كثير رحمه الله: "وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى المسجد النارنج وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تزار وينذر لها فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة". البداية والنهاية 14/36.
وهذا الكلام من ابن كثير يدل على أنه على طريقة شيخه في هذه القضايا.
وأحسب أن بعض أهل زماننا ممن يتمسح بالشيخ لو رأى العوام مفتونين بالشرك بضريح أو شجرة أو حجر فإنه سيسلِّي نفسه بأنهم جهلة معذورون، ثم سيزعم أنه سيحارب الحداثة والغزو الفكري وأن ذلك مقدَّم على حرب في داخل الأمة، وكأنَّ نار جهنم لا تُدخَل إلا من باب الحداثة والتغريب! وكأنَّ هذه المظاهر ليست مضاهاة للوثنية التي حاربها كل الأنبياء! وكأنَّ هناك زحامًا بين الأمرين، فابن تيمية الذي ردَّ على أهل الكلام والفلاسفة والنصارى والرافضة وأفتى الناس في كل ما استفتوه من مسائل الأصول والفروع هو من قام بإنكار هذا الأمر.