كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) قال: مثل هدا

المصدر
في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) قال: مثل هداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن، يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور. أقول : هذا دليل على التحسين والتقبيح العقليين ( يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ) وذلك بالقياس الصحيح والعلم الذي يأتيه هو الوحي وقد ورد أن أبا بكر وعثمان لم يشربا الخمر في الجاهلية استقباحاً لحالها وذلك قبل الوحي فلما جاء الوحي صار الأمر نوراً على نور والناس متفقون على أن هناك أدلة عقلية على الأصول الإيمانية الكبرى وإنما وقع الخلاف في كون الأفعال التابعة لوجود المخلوقات هل فيها ما هو حسن عقلاً وقبيح عقلاً ومن قال بالتحسين والتقبيح العقليين لم يقل أن هذا التحسين حاكم على النص بل الكل متفقون على أن تفاصيل حسن الأشياء وقبحها لا يدرك إلا بالوحي وأن عقول البشر تدرك المجملات وقد يهتدي بعض حذاقهم إلى بعض التفاصيل عن طول نظر وإدراك العقل تابع لعلمه والوحي علم العليم الذي لا يخفى عنه مثقال ذرة فوجب الاحتكام إليه فالبشر مقرون بأنهم فيما بينهم يتفاوتون في عقولهم وأن التحاكم للأعقل والأعلم في مجاله هو مقتضى العقل إذا فهمت هذا علمت أن موقف نفاة التحسين والتقبيح العقليين من الأشعرية ليس موقفاً تسليمياً كما يقول البعض بل هو موقف مبني على نفيهم للحكمة وبنوا على ذلك كله أن تكليف ما لا يطاق جائز على الله عقلاً وجائز عليه تعذيب المطيعين على طاعتهم وإثابة العاصين على معصيتهم لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير والله عز وجل كل شيء ملكه فصار قول الله تعالى كما في الحديث ( حرمت الظلم على نفسي ) لا معنى له وبنوا على هذا تأويل لام التعليل في النصوص بأنها لام العاقبة ودعوى أن الحنابلة قبل ابن تيمية يوافقون الأشاعرة في نفي الحسن والقبح العقليين دعوى باطلة وقد صار من المضجر حقاً هذا الهوس بإظهار ابن تيمية في صورة المنفرد قال أبو الخطاب الكلوذاني الحنبلي في التمهيد : واختلف أصحابنا رضي الله عنهم، هل في قضايا العقل حظر وإباحة، وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا، فقال أبو الحسن التميمي رحمه الله تعالى: في قضايا العقل ذلك، حتى قال يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجباً كشكر المنعم والعدل والإنصاف، وأداء الأمانة ونحو ذلك، ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظوراً، نحو الظلم والكذب وكفر النعمة والجناية، وما أشبه ذلك، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين، وعامة الفلاسفة" تأمل أبو الخطاب يقول إثبات التحسين والتقبيح العقليين هو قول عامة االفقهاء والمتكلمين والفلاسفة ثم نقل أبو الخطاب كلام شيخه أبي يعلى الذي وافق الأشعرية حقاً فقال : وقال شيخنا: ليس في قضايا العقل ذلك، وإنما يعلم ذلك من جهة الشرع، وتعلق بقول أحمد رضي الله عنه في رواية عبدوس بن مالك العطار: ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، وإنما هو الاتباع، وهذه الرواية إن صحت عنه فالمراد بها الأحكام الشرعية التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم وشرعها، وبهذا القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة وهم. فتأمل قول أبي الخطاب أن شيخه إنما وافق الأشعرية المجبرة ، واستدلال أبي يعلى هو من جنس استدلال نفاة القياس بكلام العلماء الذين ذموا القياس في مقابل النص فنزلوه على القياس على النص فنفوا الجميع ! ، وهذا يشبه مسلك الخوارج الذين خرجوا على علي حيث خلطوا بين الحكم بغير ما أنزل الله والتحكيم لبلوغ حكم الله وكونك تأتي برجل من الحنابلة فتجعله هو المعتمد على تقدمه ومن تأخر عنه هذا تحكم بارد ، ولاحظ أن التميمي يقول بالتحسين والتقبيح العقليين وهو صاحب العقيدة الموجود في الشاملة باسم ( العقيدة عن أحمد رواية الخلال ) وهذا خطأ من مدخل الشاملة بل هي عقيدة التميمي وجرى هذا الخطأ على الكثير من الناس ويستدلون بما فيها وكأنه مسلم هذا مع طعن عدد منهم بكتاب الرد على الجهمية وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد ورواية حرب عن الإمام ورواية الأصطخري وكلها أحسن حالاً من عقيدة التميمي وحتى السجزي أنكر كلام الأشعري في التحسين والتقبيح فقال في الرد على من أنكر الحرف والصوت : على أنّ الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسناً ولا قبيحاً1. وهذا لعمري مخالفة العقل عياناً. وتكلم عليه بأوسع من هذا في بقية الكتاب وكذلك الزنجاني تكلم فيه وهذه النقولات استفدتها مبدأيا من كتب ابن تيمية وهذا أمر عجيب عامة تعقباتهم على الشيخ بأمور الشيخ ناقشها أصلاً ونظير هذا المتعقب عليه هنا من استغرب ما نشره بعض الباحثين من وصف ابن مندة للأشعرية ب( الزنادقة ) وبعضهم صار يتكلم عن كون متقدمي الأشعرية يختلفون عن المتأخرين = والواقع أن هذا الحكم غير مستغرب من حنبلي والأشعرية متقدموهم ومتأخروهم يخالفون في مسألة القرآن ولكن المتأخرين أنكروا صفات ما أنكرها المتقدمون فكان ابن تيمية يلزمهم بكلام متقدميهم وإذا جاء للمتقدمين نقدهم وبين أين خالفوا فأما كون هذا الحكم ليس مستغرباً من ابن مندة فقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون عن أصحابه وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية. ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول: إن الله لم يتكلم بصوت فأنكر أحمد ذلك وجهم من يقوله وقال: هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت" فترى أن الإمام أحمد وصف قول الكلابية في القرآن ( مع أنهم يثبتون الصفات الذاتية ) بأنه زندقة فحين يأتي حنبلي مثل ابن مندة وينزل الكلام نفسه على الأشعرية الذين يتفق قولهم مع قول الكلابية في القرآن فلا مشكلة في الحقيقة ، وهذا النقل عن أحمد نقله ابن حامد أيضاً وهو مشهور رورى قوام السنة الأصبهاني الشافعي في كتابه الحجة في بيان المحجة عن ابن أبي حاتم قوله : من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا - صلى الله عليه وسلم - مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرّاً أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك. قال عبد الله الجديع في كتابه العقيدة السلفية : ولو عدت للباب الثاني من كتابي هذا ونظرت بأدنى تأمل ما أوردته في اللفظية الذين جهمهم الإمام أحمد وغيره من الأئمة، علمت أن ذلك منصب تماما على الأشعرية والماتريدية، بل إن اللفظية الأوائل الذين أنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة مقالتهم أفضل من هؤلاء وأقرب إلى الحق منهم، فإن أولئك لم يحفظ عنهم تصريح بأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت ، ولا نفي تعلق الكلام بالمشيئة والقدرة، فجاء أصل هؤلاء المبتدعة ابن كلاب، فأدخل على الناس هذه الأباطيل. أقول : والأشعرية أنفسهم معترفون أنهم على طريقة ابن كلاب في القرآن فما قيل فيه يقال فيهم ويقول أبو الفتح الشهرستاني الأشعري (ت. 548 ه‍): "حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي ... وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية". ["الملل والنحل": ص/81] وأما اعتراف شيخ الإسلام بانحراف متقدمي الأشعرية في القرآن وكون حقيقة مقالتهم هو عين مقالة الجهمية فقال الشيخ في درء تعارض العقل والنقل :" قال الشيخ أبو الحسن: (وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام) . قال: ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي - يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات، قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد ابن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة، الذي طبق الأرض علماً وأصحاباً إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور، يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني" وانظر بقية كلام الشيخ فإنه هام كما أن ابن تيمية له كلام واضح في كوّن الباقلاني نصر مذهب جهم في الإيمان والقدر وفاقا للأشعري وإنما يذكر من كلامه في الإثبات ما يُبين شدة انحراف متأخري الأشعرية كما أنه يستدل بكلام ابن كلاب أيضا أحيانا وعلى ذكر ابن مندة ثمة مخطوط لابن مندة في شأن أبي حنيفة سلك فيه طريقة المتقدمين في هذا وقد أخبرني بعض الأخوة أن المخطوط تعرض لتشويه وكشط ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا زال في المخطوط بقية نافعة يمتحن بها إنصاف وتجرد بعض الناس