التسامح الديني أم بذور الحداثة
التسامح الديني أم بذور الحداثة
يقول الكاتب كليفورد لونجلي في كتابه الشهير [الشعب المختار]:
"وعلى الرغم من أن تمبل كان كبير أساقفة كانتربوري لفترة قصيرة، ولكنها ذات أثر باقٍ، فإنه حكم تيار الفكر الأنجليكاني الرئيسي منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. فقد كان رئيسًا للجنة العقيدة التى كانت تجتمع فى سنوات ما بين الحرب، ثم تخلت تدريجيًّا عن محاولة صياغة لاهوت أنجليكاني متمايز. وقد أسس تقريرها الذى نشر سنة ١٩٣٨م، مقاربة إذا لم تكن هى ما يؤمن به الأنجليكان، فقد كانت عن كيفية تصديقهم إياها على الأقل. إذ رفض تمبل فكرة المذهب الدقيق والأكيد، وهى مقاربة قدر لها أن تكون قياسية في كنيسة إنجلترا بعده. فقد كان يفضل أن يضم إليه كل أولئك الذين يريدون أن يطلق عليهم اسم مسيحيين، بدلًا من أن يمتحنهم بالتعريفات اللاهوتية التى لا تجلب سوى استبعاد المتردد. ويقول جيمس كنت عنه:
«انطلق تمبل لكي يعطي رؤية متماسكة منطقيًّا للعلاقة بين المسيحية والفلسفة، وقد فعل هذا بأن أخذ فكرة الغاية كفكرة مركزية لفهمنا للكون. وقد كانت حجته أن غاية عالمية لا يمكن أن توجد دون الوجود النشط لإرادة حقيقية، تكمن وراء العالم. والفعل القصدي يجب (أو هكذا بدا الأمر لتمبل) أن يكون شخصيًّا، وهذا بدوره يشي بأن "الغاية الخلاقة" وراء العالم يجب أيضًا أن تكون مرتبطة بالإله شخصيًّا. وبهذه الطريقة بنى تمبل فكرة الإرادة الإلهية الحاكمة، أو الإله الشخصي».
ويحتاج المرء إلى أن يكون حذرًا من مصطلح "الرب الشخصي"، لأنه مصطلح مربك تمامًا، وبفضل التسويق الحديث، مع المفهوم المختلف تمامًا عن الرب الذى يصنعه المرء لنفسه، أو الرب الذى تم تصميمه لكي يناسب حاجات المرء «الشخصية» الخاصة أو ميوله الخاصة (مثلما يحدث في أي بنك نمطي للمدخرات عندما يقوم بتطوير قرض شخصي يناسب ظروفك الخاصة). وثمة سؤال منتظم يطرحه الباحثون فى الاعتقاد الديني هو "هل تؤمن بإله شخصي؟" (وقد سجل أحد الباحثين إجابة عنه تقول: "لا إنني أومن بالإله العادي فقط"). ولكن ما يسبب حيرة مثل هؤلاء الباحثين ممن يستطلعون الرأى العام، هو أن عدد الذين يقولون نعم أقل كثيرًا من عدد الذين يزعمون أنهم يؤدون الصلاة بانتظام.
وعلى أية حال فإن معنى "الإله الشخصي" فى اللاهوت الذى وضعه تمبل (وفي السؤال الذى وضعه الباحثون في الاستبيان) لا يختلف في الواقع عن «هل تؤمن بإله يمكن أن يستمع إلى صلواتك؟ فالإله الشخصي في هذا السياق يعني إلهًا يمكن للمرء أن يتواصل معه وأن يرتبط به. وتمبل يستخدم كلمة "شخصي" بهذا المعنى، وليس بمعنى "مصمم حسب مواصفاتك الخاصة". وبعبارة أخرى فإن الإجابة غير المتوقعة "لا إنني أومن بالإله العادي فقط" كانت هي الإجابة الصحيحة. إذ إن أولئك الذين قالوا لا للإله الشخصي كانوا يحاولون أن يكونوا صحيحي العقيدة، ويميزون أنفسهم عن مفهوم العصر الحديث أو ما بعد الحداثة الذى يقول: "لك ربك ولي ربي". ومن المثير للسخرية أن رفض تمبل للمعايير العقيدية أساسًا لعضوية كنيسة إنجلترا ربما يكون حقًّا هو الذي أرسى أساس المقاربة بعد الحداثة "ربك/ ربي" "للديانة الشخصية" بالمعنى التسويقي الحديث".
أقول: قد لا يفهم كثير من الناس كلامه، ولكن دعني أقرب لك الأمر لأنه هام جدًّا بالنسبة لنا هذه الأيام في أمتنا.
بريطانيا بلد بروتستانتي، وبريطانيا هي الأم للولايات المتحدة الأمريكية، البروتستانتية ظهرت على أنها حركة ثائرة ضد الكاثوليكية وتسلط الكنيسة، ولكن كان طابعها التوحش، فما انتهت من الكاثوليكية حتى صارت بينهم نزاعات كثيرة أدت إلى تبادل التكفير (ومعلوم أنه لا يوجد بينهم كتاب فاصل).
ظهرت فكرة التسامح الديني والعقائدي بين جماعة من البروتستانت، يذكر المؤلف منهم تمبل الذي لم يدقق في القضايا العقدية التفصيلية كثيرًا، ولكنه كان مهتمًّا بأن يميز نفسه عن المؤمنين بالإله الربوبي الذي لا يتواصل مع الخلق.
ففي ذلك الوقت ظهر ملاحدة وربوبيون يؤمنون بالإله ولكن لا يؤمنون بالوحي، وظهر حداثيون منتسبون للمذهب البروتستانتي يحذفون ما لا يناسب عقولهم من المعجزات وغيرها من الكتاب المقدس.
وكثيرًا ما كان يشكِل ويشتبه الربوبي بالبروتستانتي الحداثي لأنهم في النتيجة شيء متقارب جدًّا، وهذا يشبه تشابه العالمانيين أو أصحاب القراءات العالمانية عندنا بالملاحدة الصرحاء أو الربوبيين.
ما الذي فعله تمبل؟
اقترح صياغة خاصة يتفق عليها أهل الإيمان لا يشترط فيها أكثر من التمايز عن الملحد والربوبي وربما الحداثي البروتستانتي، وكان هذا هو طرح التسامح الديني.
يقول الكاتب أن هذا الطرح كان هو بدايات التدين الشخصي أو المفهوم الحداثي (لك دينك ولي ديني)، بمعنى: لا تنكر علي ولا أنكر عليك، ولا يترتب على هذا أي درجة من درجات الولاء والبراء.
=
=
فما برح حتى أدخل الناس الملاحدة والربوبيين في التسامح، لأنك فرضت أصلًا معيارًا رغبويًّا باعتبار المصلحة الدنيوية فحسب، ولا يوجد عندك نص أو قاعدة علمية في التعامل مع النصوص، ولهذا فالأمر لا يقف عند رغبتك، فالآخرون عندهم رغبات أيضًا.
هذا السياق ليس بعيدًا نهائيًّا عما يعيشه العالم الإسلامي منذ زمن، ففكرة الإصلاح الديني على غرار البروتستانت داعبت مخيلة إصلاحيين مشاهير.
وفكرة التسامح أيضًا، فظهر طرح يدعو إلى إلغاء التكفير العقائدي مطلقًا إلا مع قوم أيسنا من التقارب معهم دنيويًّا، وحتى التبديع العقائدي مرفوض إن كان يترتب عليه أحكام، ومقبول إن كان مجرد وصف، ولهذا حرص جماعة على تضعيف حديث الافتراق حتى لا يفتح الباب لاعتقاد وجود ولاء وبراء عقدي، ولكن ما نصنع بحديث الحوض (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
لاحظ أن النفرة اليوم من التكفير العقائدي ليست نفرة علمية بل نفرة مدفوعة بهذه المقدمات النفسية، بدليل أنهم ينفون التكفير ثم لا ينتقلون إلى التضليل بل إلى التعظيم والتوقير! وهذا يدل على عزم مسبق على تهميش أصل البحث.
وهناك تنبيه: ليس كل مخالف عقائدي يُكفَّر، هذا ليس صحيحًا، ولكن ليس كل مخالف عقائدي لا يُكفَّر أيضًا.
ومن أهم النصوص التي تُجسِّد هذه الرؤيا التسامحية التي تُحاكِي ما حصل من بعض البروتستانت ما قال ابن عاشور في كتابه [أصول النظام الاجتماعي في الإسلام] ص ١٧٢:
"وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات فالمسلم مخيّر في اعتقاد ما شاء منه إلا أنه في مراتب الصواب والخطأ. فللمسلم أن يكون سنيًّا سلفيًّا، أو أشعريًّا أو ماتريديًّا، وأن يكون معتزليًّا أو خارجيًّا أو زيديًّا أو إماميًّا. وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميّز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطأ، أو الحق والباطل. ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة".
ولاحظ الجمع بين نفي التكفير وتسويغ التمذهب بمذاهبهم، علمًا أنه لا تلازم، فأنت قد لا تُكفِّر الخوارج والمرجئة ولكن لا تُسوِّغ التمذهب بمذهبهم. وكلام الطاهر بن عاشور يعتبر مرحلة متقدمة، وكثيرون من المقتنعين بهذه الفكرة قد لا يصلون إلى مستواه، ولكنهم يتقاطعون معه في طريقة العرض والأدوات المتقاطعة مع بعض أساليب الحداثيين أصالة.
ودعنا نتساءل: ظاهرة الترحم على الكفار هل وُجِدت في الأمة قبل وجود ظاهرة التسامح الديني أو العقائدي المطلق باسم الاعتدال والإنصاف؟ (وهذا يتضمن إرهابًا مسبقًا لك إن خالفت حكمه بأنك جائر).
الجواب: هي كثرت بعد وجود تلك الظاهرة، لذا يحق للباحث أن يربط بين الأمرين كما ربط صاحب كتاب الشعب المختار، فالترحم اليوم على الكافر هو مظهر من مظاهر إلغاء الولاء والبراء العقدي وترك التحاكم للإرث القديم في الحكم على المخالف والحكم على المخالف بحسب المصلحة الدنيوية.
ولا يغرنَّك ما يأتي به البعض من التراث لتسويغ تمييع البحث العقدي، فهو من جنس ما استدل به بعضهم على جواز الترحم على الملاحدة من التراث، هي قراءة رغبوية، وإن كانت الأخيرة أظهر ضعفًا وسخفًا.
وأمارة هؤلاء المتسامحين أنهم لا يتسامحون مع من لا يقبل تسامحهم! حتى لو كان هذا من مقتضيات مذهبك الذي يزعمون التسامح معه، لذا تجدونهم يفرضون على الإمامي مثلًا ترك بعض الأمور في مذهبه وكذا في الإباضي، مع القبول بأي ضلالة في أي بحث لا تنافي التسامح، فنحن المركز. والطريف أن بعض هؤلاء يَردُّ على الملاحدة والعالمانيين، ويمكن أن ينتقد بعضهم الإنسانوية أيضًا!