بين عمق الوحي وسطحية القيم الغربية.
بين عمق الوحي وسطحية القيم الغربية.
قال تعالى : ( وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون)
أقول : الجاهليون قبل الإسلام الغربيون اليوم لا يرون وجوب الزكاة ولا يرون ضيراً من الربا وهذه هي الحرية عندهم والغني يرى أن له حق في تضعيف ماله عن طريق الربا ما دام أقرض الفقير
وليس لأحد أن يجبره أن يعطي مالاً للفقير ، غير أن المعيار في الوحي معكوس تماماً فالزكاة والصدقة هي الزيادة ( ما نقص مال من صدقة ) والربا محق والمتصدقون هم المضعفون وليس المرابين
تأمل ( فلا يربوا عند الله ) وهكذا ينبغي أن يفكر كل مسلم في كل زخرف يراه في حال الكفار أنه ليس بشيء عند الله لأنه لا يوصل إليه لهذا لا ينبغي أن يكون حالهم هو المعيار عنده ، وعلى هذا فقس في كل شيء الإجتماع على باطل ضعف وليس قوة لأنك ستسلب توفيق والمفاصلة على حق يقيني قوة وليست ضعفاً لأنك به تستجلب توفيق الله
فإن قيل : قد فهمنا حرص الشريعة على مصلحة الفقير ولكنها هل أضرت بالغني ؟
فيقال : المتسامحون مع الربا والذين لا يعظمون أمر الزكاة الإسلامية هم من ينظرون في العادة إلى المصالح والمفاسد بمفهوم اللذة والألم الفرداني فلا يعون الأمور على وجهها ، بيد أن التشريعات الإسلامية ليس مرجعها الوحيد أنها الأنفع في الآخرة بل مرجحها أيضاً أنها الأنفع لعموم المجتمع وأن النقص الذي على الأغنياء كأفراد زيادة للمجتمع ككل دون هوس الشيوعية
وبيان ذلك أن الزكاة يخرج فيها المال من أيدي مائلة للإدخار ( لأنه مر حول كامل دون صرف ) إلى أيدي مائلة للإنفاق وهم الفقراء وهذا يحرك السوق ويوفر فرص عمل
كما أن الزكاة فيها كسر الإحتكار فزكاة الزروع من الأقوات وكذلك زكاة الفطر وزكاة المواشي من الأنعام الضرورية وهذه بضائع يحتاجها عموم الناس وهي التي في العادة الإحتكار فيها يضر فإذا خرجت البضائع لأيدي الفقراء فمنهم يستهلكها ومنهم من يبيعها إلى الطبقة المتوسطة هنا يكسر الإحتكار وتنضبط الأسعار
وأما الربا فيزيد الفجوة بين الغني والفقير بشكل كبير ويزيد في غنى الغني ما لا يحتاجه مما يؤدي إلى مشاكل أخلاقية مثل التحاسد وهذه آثارها تظهر في ممارسات عديدة لا تحمد وذلك يؤدي أيضاً إلى فشو الرق !
فإن قلت : كيف هذا أليس الرق قد انتهى ؟
فيقال : الرق القديم المنضبط هو الذي تم إلغاؤه واليوم توجد منظمات كثيرة تحارب الرق الحديث ودائماً يذكرون أن أحد أهم أسباب الرق الحديث تراكم الديون وعدم التمكن من السداد مما يؤدي إلى تسليم الفقير نفسه لأعمال شاقة لكي يسدد هذه الديون وأحياناً تكون دعارة في حال النساء
وقد سألني قبل مدة أحد الأخوة عن أحاديث تفضيل الزنا على الربا ( التي تذكر أن الربا أشد من الزنا ) فقلت له نعم الخبر المرفوع لا يصح ولكنه صح موقوفاً على بعض السلف مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وما أحسن من قال أن هذا بسبب أصلهم اليهودي وفشو الربا في اليهود لأنه ما اعترض عليهم أحد
وفي السنة النبوية الإشارة إلى أن الظلم المنظم المالي أشد من الزنا لأنه يؤدي إلى تساهل منظم في الأعراض وذلك في صحيح مسلم في حديث رجم الغامدية ( فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) فقوله : لو تابها صاحب مكس معناه أن المكس أشد من الزنا والمكوس هي الضرائب وهي أركان الدولة الحديثة وهي مختلفة عن الزكاة لأنها تؤخذ من كل الناس وتصرف في مصالح عامة ولا تعطى للفقير يتملك
وقد وضح لي الأمر ما قرأته في تاريخ هيرودتس أن الملك الفارسي قورش كلف بعض أهل البلدان الضرائب الشديدة حتى تساهلوا في دخول نسائهم في سلك البغاء ليوفروا هذه الضرائب
والمتأمل اليوم لحال تساهل الناس في أمر الأعراض بعد تشددهم في ذلك يجد العامل الإقتصادي يلح بقوة سواء مع وجود حاجة حقيقية أو طمع أو حاجة متوهمة للهوس الإستهلاكي وأنا هنا لا أبرر الأمر فهو غير مبرر ولكنني أشرح المقدمات والنتائج
واليوم يأتيك من يمدح دول الغرب التي لا زكاة فيها وتفشو المكوس ويفشو الربا ثم إذا رأى مسجداً يذكر فيه الله ويحث فيه على الزكاة ويذم فيه الربا يقول : ( إطعام جائع خير من بناء جامع ) ! ولا حول ولا قوة إلا بالله
واليوم من سطحية كثير من الناس لو قلت لهم : مستبد ولكنه يأخذ الزكاة ويعطيها لمستحقيها ويمنع الربا ولا يأخذ المكوس ، أم رجل يعطي الناس حريتهم في الكلام ولكنه لا يأخذ الزكاة ويسمح بالربا ويأخذ المكوس فإنهم لتأثرهم بالنموذج الغربي سيختارون الثاني ولا يدرون أنه أخذ منهم أكثر مما أعطاهم ولهذا يفضلون نماذج مدمرة أخلاقياً على الخلافة الأموية مثلاً على هنات في عدد من خلفائها ولكن الأمر لم يصل إلى البلاء الموجود اليوم ومعلوم أن البلاء كل البلاء أن يجتمع الشر كله فلا حرية قول كلمة حق ولا شريعة تطبق غير أن البعد عن الربا وأداء الزكاة أمر يسأل عنه أغنياء المسلمين واحداً واحداً وليس فقط السلطة.
الأحزاب والنفاق بين الأمس واليوم
قال تعالى : ( إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا)
وقال تعالى : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما)
حال المنافقين مع الأحزاب وحال أهل الإيمان يذكرني بحال الناس اليوم بعدما تداعت الأمم على أمة الإسلام ومرت بوقت استضعاف لا نظير له وأعظم ذلك الخضوع الفكري للغربيين
فأما أهل النفاق فجعلوا ذلك ذريعة للتشكك أو الطعن في الثوابت وأما أهل الإيمان فذكروا أن هذا ما حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أحمد في مسنده 22760- حدثنا أبو النضر ، حدثنا المبارك ، حدثنا مرزوق أبو عبد الله الحمصي ، أخبرنا أبو أسماء الرحبي ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها ، قال : قلنا : يا رسول الله ، أمن قلة بنا يومئذ ؟ قال : أنتم يومئذ كثير ، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم ، ويجعل في قلوبكم الوهن . قال : قلنا : وما الوهن ؟ قال : حب الحياة وكراهية الموت
وكذلك حديث لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة
فقالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما .
والأخبار مبشرة بألا يدوم حال إلى الأبد وأن الصابر في زمن الفتنة له أجر مضاعف.
رمضان وخصوصية النزول الإلهي
قال ابن أبي عاصم في السنة 513 - ثنا أيوب بن محمد الوزان، ثنا عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طارق بن عبد الرحمن، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول: سمعت ابن عباس، يقول: إن الله تعالى ليمهل في شهر رمضان كل ليلة، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول، هبط إلى السماء، ثم قال: هل من سائل يعطى؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من تائب يتاب عليه؟
أقول : وهذا إسناد قوي وهو طويل وصعب والخبر موقوف فهو مظنة حفظ لمن رواه
والأحاديث المرفوعة في النزول الإلهي عامتها تذكر النزول في ثلث الليل الآخر وواضح من تصرف البخاري في الصحيح أنه يرجح هذه الرواية وأما مسلم فجمع الروايات وأشار إلى اختلافها
والأثر عن ابن عباس كما ترى يذكر أن النزول في رمضان يكون بعد ثلث الليل الأول فهل يناقض الحديث المرفوع ؟
الجواب : لا بل هو مخصص فيكون في رمضان خصوصية أن وقت الاستجابة يشمل ثلثي الليل المتوسط والآخر بخلاف الأيام الأخرى إذ يشمل الثلث الآخر فقط وهذا لا يستغرب في فضائل رمضان إذ تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران وغيرها من الفضائل
فخذ هذه الغنيمة الباردة والتي أجلتها إلى هذه الأيام لأن كثيراً من الناس يشغلهم أمر بلوغ الليل الآخر في ليلة القدر ويكثرون التساؤل عن الأمر والحمد لله فضل الله واسع
وفي القرآن بعد قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)
قال سبحانه : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)
فجاءت آية الدعاء بين آيات أحكام الصيام وفي ذلك إشارة إلى ورد في السنة من استجابة دعاء الصائم ولعل فيه إشارة أيضاً إلى إكثار الناس الدعاء في رمضان وهذا يعضد معنى الأثر الذي دل على امتداد وقت الاستجابة
وشهر نزل فيه كلام الله لا يستبعد أن تكون فيه خصوصية في النزول الإلهي
كما أنه ورد في يوم عرفة ذكر النزول وفيه خصوصية نزول الآية المؤذنة بتمام الدين
قال البخاري في صحيحه 4407 - حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن أناسا من اليهود قالوا لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال عمر أية آية فقالوا { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فقال عمر إني لأعلم أي مكان أنزلت أنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة
هذا ذكر نزول الآية وأما ذكر النزول الإلهي
فقال الدارمي في الرد على الجهمية «137» عن موسى بن إسماعيل وعلي بن عثمان اللاحقي قالا ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عاصم بن أبي نجود قال قالت أم سلمة رضي الله عنها: «نعم اليوم يوم عرفة ينزل فيه رب العزة إلى السماء الدنيا».
قلت : إسناده صالح على انقطاع بين عاصم وأم سلمة، وله شاهد عند اللالكائي «768» من طريق محمد بن أحمد بن علي بن حامد الطبري أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا أبو سعيد الأشج حدثني عقبة ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أم سلمة، وهذا قوي إن كان أبو صالح سمع أم سلمة وقد أدركها.