نشرت مجلة البيان في عددها رقم 191 لقاء مع مجموعة من الدكاترة عن موضوع الحداثة وك
نشرت مجلة البيان في عددها رقم 191 لقاء مع مجموعة من الدكاترة عن موضوع الحداثة وكان هذا اللقاء قبل 15 عاماً من الآن
وكان مما ورد في هذا اللقاء قول الدكتور علاء عبد العزيز جواباً على سؤال يتعلق بأصالة الحداثة العربية : هذا كلام غير معقول؛ لأن الحداثة مبدئياً تعني
القطيعة مع التراث؛ فكيف ستتطور عنه وهي في قطيعة كلية معه، ثم كيف
ستكون عربية وهي لم تتحرر من النظريات والمصطلحات والأفكار التي ولّدها
السياق الغربي، وجميع ما يردد في المحافل الحداثية مستورد ليس إلا، نحن لا
نطعن في توليد نموذج عربي، بل نطعن في وجود ما يمكن أن يسمى حداثة عربية
مستقلة؛ لأن ما أحدث القطيعة المعرفية مع التراث في الغرب غير موجود في
تاريخ العالم الإسلامي.. في المجتمع الإسلامي تشيع حالات من التراحم والتكافل،
جنبته ويلات الصراع الطبقي الموجود في الغرب، ولهذا فإن ماركس لم يستطع أن
يطرد نظريته على العالم الإسلامي، وتهرب بتسميته نمط إنتاج آسيوي.
الأوقاف على سبيل المثال، وهي جزء من نظام عام للتكافل الاجتماعي في
الإسلام، كان لها دور مهم للغاية في تجنيب العالم الإسلامي ما حدث في الغرب من
صراع، وقد ذكر بعض الباحثين أن ثلاثة أرباع أراضي الدولة العثمانية كانت
أراضي أوقاف وليست ملكاً للدولة؛ إذن هناك مجموعة من المكونات هي التي
أوجدت القطيعة والتمرد على التراث ورفض الدين في الغرب، هذه المكونات ليس
لنا بها أدنى صلة لا تاريخياً ولا دينياً ولا حضارياً، ومن ثم فمن غير المنطقي أن
تطبق نظريات الحداثة على مجتمعات خالية من الظرف التاريخي الذي ولّد الحداثة.
أقول : أريد الوقوف عند قوله :( وقد ذكر بعض الباحثين أن ثلاثة أرباع أراضي الدولة العثمانية كانت
أراضي أوقاف وليست ملكاً للدولة )
هذا المعنى نبهت عليه في الدروس مراراً وتكراراً أن الدولة القطرية الحديثة هي كيان قائم بذاته كأنها شخص وهذا الشخص يستعبد أفراد الدولة فكل جزء في الأرض الأصل أنه ملكه ولا يتملك إنسان ب( إحياء موات ) كما كان الأمر قديماً في الدولة الإسلامية تحيي أرضاً فتتملكها بل لا بد من يأذن لك بالتصرف بها ولا يؤذن لك بحركة في الأرض إلا بإذنه ( سفر وغيره ) ولا يؤذن لك بالتجارة إلا بإذنه ثم لا بد أن تدفع الضريبة للسيد ، ثم هذا الكيان قد يكون مؤسسة معينة ( مثل المؤسسة العسكرية ) أو أسرة أو مجموعة من الرأسماليين الذين يستبعدون الأفراد ثم يأخذون منهم الأموال التي يعطونها لهم عن طريق الضرائب ويبقى القليل مما يؤدي حاجاتهم وإذا أردت شراء بيت مثلاً فلا بد من قرض ربوي من المؤسسة الرأسمالية ويوهمونك مع هذا كله أنك حر وأن ما تقدمه لهم هو خدمة ( للوطن ) بيد أن الدولة الإسلامية القديمة هي حامية ومطبقة لمجموعة من المسئوليات عليها وللناس حرية التنقل والتجارة والتملك للأرض بالإحياء ومعاني أخرى كثيرة
والمضحك جداً أن أهل هذا الزمان يعتبرون أنفسهم أكثر تحرراً من كل الأزمنة السابقة ! ويرون التمرد على الدولة القديمة هو الحرية وهل قرأت في التاريخ عن شخص يتجاوز الثلاثين وهو غير قادر على الزواج أو تأمين سكن في الدولة الإسلامية القديمة !