من عيون العدل في الأزمنة المتأخرة (ذق كما ذاق ولد الناس )
من عيون العدل في الأزمنة المتأخرة (ذق كما ذاق ولد الناس )
رأيت مقالاً للكاتب عائد عميرة بعنوان ( تاريخنا المنسي.. مملكة أوفات أقوى السلطنات الإسلامية في بلاد "الزيلع")
وقال : أسست هذه السلطنة في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي على يد قوم من العرب المهاجرين إلى الحبشة، وقد نسبهم البعض إلى بني خزيمة، بينما يرى آخرون أنهم ينتمون إلى عقيل بن أبي طالب، وتذهب رواية أخرى إلى نسبتهم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، والقول الفصل إنهم عرب ينتمون إلى القبائل القرشية.امتد سلطان المملكة على أراضي شاسعة في منطقة القرن الإفريقي التي عرفت باسم "بلاد الزيلع"، وهي البلاد التي تحيط بهضبة الحبشة من الشرق والجنوب الشرقي، وتتمثل الآن فيما يعرف بجيبوتي والجزء الجنوبي من إقليم إريتريا وسهول الدناكل وتمتد جنوبًا وتضم الجزء الشرقي من حوض نهر عواش، والهضبة الصومالية بما فيها من منطقة هرر والأوجادين، وتمتد شرقًا لتشمل جزءًا كبيرًا مما يعرف الآن بالصومال الشمالي (الإنجليزي سابقًا) بما فيه من موانئ زيلع وبربرة
أقول : تكلم المقريزي في كتابه الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام عن هذه الدولة وعنون للحديث عنها بقوله : ذكر الدولة القائمة بجهاد النصارى من الحبشة.
وتحدث تفصيلاً عن نشأتها والخلافات الداخلية التي حصلت غير أن العجيب حين ذكر أحد ملوكهم وهو جمال الدين محمد سعد الدين والمقريزي معاصر لهم
قال المقريزي عنه :" وكان خير ملوك زمانه دينا ومعرفة وقوة وشجاعة ومهابة وجهادا في أعداء الله تعالى بحيث إنه ملك كثيرا من بلاد الحطى وأعماله، ودخل جمان من عمال الحطى وولاة أعماله في طاعته وقتل وأسر من أمحرة الكفرة ما لا يدخل تحت حصر، حتى امتلأت بلاد الهند واليمن وهرمز والحجاز ومصر والشام والعراق وفارس من رقيق الحبشة الذين أسرهم وسباهم في غزاته، وما زال مؤيدا من الله تعالى منصورا على أعداء الله حتى ختم الله له بالحسنى وكتب الله له الشهادة.
وكان يصحب الفقهاء وأهل الفقر من الصالحين وينشر؟؟ العدل في أعماله حتى فى أهله وولده.
ولقد بلغ من عدله أن لعب بعض صغار أولاده ذات يوم مع أنداده وأترابه من الولدان، فضرب صغيرا منهم كسر يده، ولم يبلغ جمال الدين حتى مضت مدة فاشتد في الإنكار على خدمه إذ لم يعلموه، وطلب أولياء الصغير الذى كسرت يده وعتبهم على إخفاء هذا عنه، وجمع أهل دولته وطلب إبنه الجانى الصغير في كسر يده ليقتص منه، فقام أعيان الدولة وأمراؤهم بين يديه يضرعون إليه في العفو وأنهم يرضون أولياء الصغير، فلم يفعل وأبى إلا إحضار ولده فأحضر إليه، فلما قدّمه ليقتص منه ضج الجميع والبكاء وقام أولياء المكسور وعفوا فلم يرجع إلى أحد وقدم ابنه إليه وأخذ يده بيده ووضعها على حجر وضربها بحديدة كسرها وهو يصيح ثم أغمى عليه فحمل إلى أمه وأصوات ذلك الجمع كله على كثرته قد ارتفعت بالعويل والبكاء رحمة للصغير.
فكان أمرا مهولا وجمال الدين مع ذلك ثابت وقائل لولده: ذق كما أذقت ولد الناس، حدثنى بهذا الخبر الثقات الذين حضروا ذلك المجلس بين يدى جمال الدين وشاهدوه، فلم يتجاسر بعد ذلك أحد من أهل الدولة أن يمد يده لمال أحد ولا استطاع بعدها ولا حقير أن يجنى على غيره، وكان من شدة مهابته إذا أمر بشىء أو نهى عنه لا يتعداه أحد من أمرائه، بل يقف الجميع عند أمره ونهيه في جميع أعماله خوفا من شدة سطوته واتقاء عقوبته.
ومناقبه عديدة ومآثره كثيرة، وجملة القول فيه أن الله تعالى أيّد به الدين وأعز بدولته الإسلام والمسلمين"
وهذا الملك حسده أولاد عمه وخرجوا عليه ووجدوا من يعينهم والله المستعان غير أن هذه القصة عجيبة تشبه قصص السلف ولاحظ أن المقريزي يروي عن شهود عيان لهذه القصة وهذا أمر شديد غالب الناس يستحسنونه ولكن قل من يطبقه على هذه الصورة إن وضع في هذا الاختبار والله المستعان وهذه القصة ذكرتني بخبر صحيح عن شريح القاضي قاضي عمر وعثمان وعلي
قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، عن داود، عن عامر، أن ابنا لشريح قال لأبيه: إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فإن كان الحق لي خاصمتهم وإن لم يكن لي الحق لم أخاصم فقص قصته عليه فقال: «انطلق فخاصمهم» فانطلق إليهم فخاصمهم فقضى على ابنه فقال له لما رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدم إليك لم ألمك فضحتني. فقال: «يا بني والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض مثلهم , ولكن الله هو أعز علي منك خشيت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقهم»
( ولكن الله أعز علي منك ) سر المسألة !
وهو الذي لما قام في قلب ذاك الملك فعل ما فعل مع أَن الناس كانوا يرضون منه بالصلح وطلب العفو ولكنه ظن أَن قبول العفو سيكون محاباة له فما رضي بدون القصاص