نحن أصحاب الحديث، الناس على مذاهبنا..
نحن أصحاب الحديث، الناس على مذاهبنا..
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (31/ 119):
"189- عمر بن علي بن أحمد بن الليث:
أبو مسلم الليثي البخاري الجيراخشتي، وهي قرية ببخارى، كان أحد الحفاظ الرحالة، نزل إصبهان في الآخر، وحدّث عن: عبد الغافر الفارسي، وأبي عثمان الصابوني، وجماعة".
ثم قال في ترجمته: "وأبو طاهر بركة بن حسان يقول: ناظرت أبا الحسن المغازلي في التفضيل بين مالك والشافعي، ففضلت الشافعي، وفضل مالكا، وكان مالكيا وأنا شافعي، فاحتكمنا إلى أبي مسلم الليثي، ففضل الشافعي، فغضب المغازلي وقال: لعلك على مذهبه؟ فقال: نحن أصحاب الحديث، الناس على مذاهبنا، ولسنا على مذهب أحد. ولو كنا ننتسب إلى مذهب أحد لقيل: أنتم تضعون له الحديث".
وقال الذهبي أيضًا (38/ 139):
"121- أحمد بن عبد الله بن بركة.
أبو القاسم بن ناجية الحربي، الفقيه.
تفقه على أبي الخطاب، وبرع في مذهب أحمد، ثم صار حنفيا، ثم تحول شافعيا، وكان إماما بارعا، بصيرا بالفقه، فقيه النفس، قيما بالمناظرة، مليح الوعظ، دينا.
قال ابن السمعاني: اجتمعت به يوما فقال لي: أنا الساعة متبع الدليل ما أقلد أحدا.
سمع من: ثابت بن بندار".
هذان النقلان يبيِّنان أن اتجاه عدم تقليد مذهب معين كان حاضرًا في الأزمنة المتقدمة، وهذا كان له صور:
• منها أن يُعرِّف الإنسان نفسَه بأنه من أهل الحديث كما في ترجمة أبي مسلم الليثي، وهذا نظيره أهل الحديث في الهند الآن.
وقد كان الترمذي صاحب السنن يعدُّ أحمد والشافعي وإسحاق مذهبًا واحدًا، فتجده يقول: "«وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق»، ويروى عن أبي بكرة: «أنه نام عن صلاة العصر فاستيقظ عند غروب الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس»، وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى هذا، وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول علي بن أبي طالب"، وهذا متجه باعتبار الأصول، وإلا فكل واحد منهم إمام مجتهد، والخلاف بين أحمد وإسحاق أقل من الخلاف بين أبي حنيفة والشيباني.
• ومنها أن يتمذهب الإنسان بمذهب أو عدة مذاهب ويدرسه أو يدرسها ثم بعد ذلك يستقل بنظره، وهذا له نظير في زماننا في أمثال محمد الأمين الشنقيطي والمعلمي ومحمد خليل هراس ونظرائهم.
• ومنها -وهي الصورة الأكثر انتشارًا- أن يبقى الإنسان على انتسابه المذهبي ولكنه يحرر ويخالف مذهبه إن رآه مخالفًا للدليل أو غيره أقرب للنظر، وهذا حال كثير من المحققين.
ولهذا قيل في ترجمة ابن عبد البر: "وكان في أول زمانه ظاهري المذهب مدة طويلة، ثم رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد، إلا أنه كان كثيرا ما يميل إلى مذهب الشافعي رحمه الله" علمًا أن ابن عبد البر مترجم في المالكية وله نظائر في المحققين.
ومثل هذا المسلك لا يعاب إذا اتقى صاحبه تتبع الرخص ومخالفة الإجماع بمختلف مراتبه، وكما أن في غير المتمذهبين يوجد شذوذ فكذلك في كثير ممن تمذهب تعصُّب وانتصار لأقوال ضعيفة، فكم من واحد منهم يترك صلاة الاستسقاء والعقيقة وصيام ست من شوال وغيرها من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل الفن، مع حماس للبدع، هذا مع اتباعٍ لبعض المتأخرين في أمور أحدثوها أو فهمٍ فهموه غلطوا فيه، ويُنزِلون هذا الأمر منزلة كلام إمام المذهب، ويُنزِلون كلام إمام المذهب منزلة النصوص.