=
=
ومن راجع كلام الشافعية المتأخرين غير الهيتمي سيجد أنهم يفرقون بين أمر العقيقة وأمر التسمية، فينصون في التسمية على السقط وأما في العقيقة فلا يذكرون ذلك، خذ مثلاً ما في حاشية البجيرمي: "وأن تذبح سابع ولادته أي الولد وبها يدخل وقت الذبح ولا تفوت بالتأخير عن السابع وإذا بلغ بلا عق سقط سن العق عن غيره وأن يسمى فيه ولو سقطا".
بل كثرة نقاش الفقهاء في تسمية السقط وعدم حديثهم عن أمر العقيقة يقرر أن سقوطها عنه أمر محسوم، يفهم من حكايتهم الخلاف في أمر عقيقته عند موته قبل اليوم السابع (فابن سيرين والشافعية ذهبوا للجواز والحسن ومالك ذهبوا للمنع).
ولهذا لما سئل الشيخ عبد الله أبو بطين الحنبلي عن هذه المسألة قال: "بأن العقيقة إنما تشرع عمن ولد حيا".
وفي البيان والتحصيل من كتب المالكية: "مسألة قيل له: أرأيت الذي يولد فيموت قبل السابع، أعليه فيه عقيقة؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه".
أقول: قد ورد الخلاف عن ابن سيرين وتبعه من تبعه من الشافعية والحنابلة، غير أن دعوى الاتفاق قد تسلم في السقط ولا يقال بقياس السقط على من مات قبل السابع فإن بينهما خلافاً في الأحكام، فمن ولد واستهل يستحق الميراث بخلاف السقط لا يستحقه اتفاقاً، وقد مر معنا كلام الفقهاء في التفريق بين الأمرين.
جاء في الإقناع من كتب الحنابلة: "قال في المستوعب وعيون المسائل: ضحوة النهار ويجوز ذبحها قبل السابع ولا يجوز قبل الولادة".
قوله (ولا يجوز قبل الولادة) يعني لا يجوز عن السقط وقد ذكر المرداوي هذا في الإنصاف ولم ينقل عن أحد من الأصحاب خلافه.
والخلاصة أنني لا أعلم متقدماً أجاز العقيقة عن السقط سواءً قبل نفخ الروح أو بعده، وإنما هو كلام بعض متأخري الشافعية، وكثير من المتمذهبين في زماننا لا يتصور الشذوذ من المنتسبين للمذاهب، وإنما يتصوره فحسب ممن لا يتمذهبون مع خلطه بين الشذوذ حقاً ومخالفة المذهب (السائد) لمذهب آخر معتبر اتباعاً للدليل أو عدم التقيد بمذهب، مع الحرص على اتباع الأدلة والآثار والبعد عن الشذوذ، وفي الحقيقة طريقة المتون والحواشي مع عدم العناية بكتب المتقدمين وكتب الحديث ربما خرّجت إنساناً أكثر سطحية من الظاهرية.