كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= خلاصة فيديو الكيالي أن هناك فرقاً بين (المدينة) و (القرية) فالمدينة هي التي فيها تعددية، وأما القرية فهي التي أهلها لا يقبلون التعددية ويظلمون المختلف عنهم عقائدياً، لهذا أهلك الله القرى وسمى يثرب مدينة. وكأنه ما قرأ قوله تعالى في ثمود وهي إحدى القرى الهالكة: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} فسمّاها رب العالمين مدينة، وأهلها لا يختلفون عن أهل مكة (أم القرى). غير أن الكيالي يستعير معنى (المدنية الحديثة) ليسقطه على المدينة النبوية. والظريف أنه استعار مصطلح (التنوير) فقال أن المدينة اسمها (منورة) لأن فيها تعددية، علماً أن وصف (المنورة) لا يوجد في الكتاب ولا في السنة، وإنما هو مصطلح فشا بين المسلمين في الأزمنة المتأخرة. وطوال الفيديو يحاول الكيالي أن يسوي بين ممارسات المشركين ضد أهل الإيمان وممارسات من يسميهم بـ (الإقصائيين) من المسلمين، وكأنه لا يوجد حق أو باطل. قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} غير أن حال الكيالي يذكرني بطريقة المحللين الرياضيين الذين يقولون (نتمنى التوفيق لجميع الفرق المشاركة في الدورة)، وهذا كلام لا معنى له لأن التوفيق معناه الفوز، وفوز فريق يقتضي خسارة آخر، ولكنها من آثار الحداثة على العقول. حين ترى إنساناً مثل الكيالي تقف أمام ظاهرتين تستحقان الوقوف: الأولى: أتباع هذا الرجل، ولماذا يتبعونه مع كثرة غلطه وسقطه وغرابة ما يظهر. والجواب هو أن كثيراً من هؤلاء هو مؤمن بالتغريب وقيم الحداثة، لم يؤمن بها من خلال حجة وإنما من خلال التكرار والإرهاب اللفظي (تقدم، مدنية، تنوير)، تطلق على ما يعجبهم؛ (تخلف، رجعية) تطلق على ما لا يعجبهم. كثير منهم اتخذ قراره في قناعاته قبل أن يعرف أن لها أصلاً في الكتاب والسنة، ووظيفة الكيالي أن يأتي بهذا الأصل بطرقه البهلوانية. والرد على الكيالي يعني أخذ الناس للإلحاد عندهم لأنهم يؤمنون بهذه القيم السخيفة أكثر من إيمانهم بالوحي، فإذا تعارض الوحي مع قيمهم المحلقة اختاروا هذه القيم والتي لا حضور لها إلا في أذهانهم. وكثير من المثقفين يخضع لهذا الضغط، ليس لأنه مقتنع به ولكن لأن العوام الذين يبحث لنفسه عن مكانة عندهم مائلون لهذا، وإخراجهم من هذا الوحل يتطلب جهداً كبيراً وأذية، وقد توصف بأنك متدين ورجعي، وهذا وصف يفضل كثير من المثقفين الموت على أن يوصف به، حتى بعض المتدينين منهم يبغض صورة الواعظ الساذج التي في ذهنه، ولا يريد أن يبدو كذلك، فهذا نقيض الثقافة والفكر في نفسه، وحقيقة مجرد وقوفه عند هذه الأمور فهذا دليل على أنه ليس ناضجاً. الثانية: طلبة العلم الذين يتعالون عن الرد على الكيالي وأمثاله ويقولون (كيف يقتنع إنسان بكلام مثل هذا)، وينظرون بعين الريبة لكل إنسان يبين مشكلاته. وهؤلاء يقال لهم أن طرح هذا الرجل يلقى قبولاً كبيراً لا لقوة حجة ولكن لأنه يتماهى مع القيم العصرية، هو صورة متقدمة جداً من انحرافات نعايشها كل يوم في الأوساط العلمية. كثير من الكلام السخيف قد لا تحسن الرد عليه إن جابهك في مجلس أو مكان عمل لأنك لم تعتد على مفاوضة أهله، وهذا يكون فتنة لأصحاب الهشاشة النفسية وقليلي العلم، وهؤلاء أعداد هائلة لا يعلمهم إلا الله عز وجل. ووارث النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على الناس، وكثير مما يظنه البعض من لوازم طالب العلم هو مما اختلط فيه وحي الرحمن مع علوم اليونان، حتى أن كثيراً من طلبة العلم صار لا يجد نفسه إلا في التعسير والتدقيق، حتى لو جاءته معلومة سهلة فإنه يحب أن يصيغها صياغة معقدة حتى يرضي ما في نفسه. نعم مثل هذا الكيالي لا ينبغي أن يشغلوا عن الدرس التأصيلي وعن الرد على جميع أصحاب المخالفات دقت أو جلت.