باب في الاحتساب في نشر العلم عند انتشار الفتن (زاحموهم ولا تحقروا من المعروف شيئ
باب في الاحتساب في نشر العلم عند انتشار الفتن (زاحموهم ولا تحقروا من المعروف شيئًا)
قال الترمذي في جامعه: "2415 - حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من رجل إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل.
هذا حديث حسن صحيح. حدثنا أبو السائب، قال: حدثنا وكيع يوما بهذا الحديث عن الأعمش، فلما فرغ وكيع من هذا الحديث قال: من كان هاهنا من أهل خراسان فليحتسب في إظهار هذا الحديث بخراسان، لأن الجهمية ينكرون هذا".
تأمَّل كلمة وكيع بن الجراح هذه وأنزلها على واقعنا حيث أن الشر انتشر حتى فيما يخالف الفطرة، فصار الشذوذ له أنصاره الذين يستغربون من إنكاره.
انتشار ضلالات عظمى مثل النسوية والشذوذ والليبرالية إلى جانب التجهم والقبورية ينبغي ألا يدفعنا لليأس بل ينبغي أن ننظر للأمر على أنه باب لتحصيل الأجر العظيم في زمن الغربة وانتشار الباطل.
ولا يقولن إنسان أنا عامي أو أنا قليل العلم، فحتى العامي وقليل العلم اليوم في زمن مواقع التواصل يمكنه المشاركة في نشر علم العلماء وطلبة العلم المتمكنين، وهذا ما دعا إليه وكيع الناسَ.
وقد قرأت اليوم تقريرًا فيه استبشار جماعة من الغربيين بتغيير المناهج في السعودية وحذف النصوص التي وصفوها بمعاداة السامية والمسيحية، هم لا يفهمون واقع مجتمعاتنا وأن الدين لا يؤخذ من المدارس فحسب.
ولكن ينبغي ألا نغفل نهائيًّا أن مثل هذه التغييرات تضع مسؤولية أكبر على من عندهم علم أن ينشروا هذه المواضيع المهملة في مواقع التواصل وحِلق العلم.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث الصعب بن جثامة بسند فيه انقطاع: "لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر".
وهكذا كل فتنة تقوى بقلة ذكرها والتحذير منها، فالناس إن جهلوا الشر وقعوا فيه، خصوصًا إن جاءهم مُزوَّقًا بشعارات برَّاقة، واليوم هناك فئتان من الطيبين يضرون من حيث أنهم يريدون النفع:
الأولى: فئة تبالغ في ذكر الباطل وتَمكُّن أهله وتُكثِر التحسر على قلة أهل الحق أو ما يصيبهم من النوائب، حتى يتسلل اليأس إلى نفوس الكثير ممن هو مائل للحق فيتوقف المرء منهم عن الدعوة له والتنديد بالباطل.
الثانية: فئة تحصر مقاومة الباطل بوسيلة معينة تراها ناجعة وجذرية وتهوِّن من كل ما سواها، فيقع التثبيط في نفس كل من لم يدرك هذه الوسيلة، مع أن الناس فيما يتيسر لهم من مقاومة الباطل أنواع بحسب الزمان والمكان، وهذا بيَّنَته السنة النبوية كما ورد في الحديث "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يسطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
والتغييرات الجذرية إنما هي تغييرات صغيرة تراكمت، وقد ورد في الحديث "لا تحقرن من المعروف شيئًا"، وورد الخبر في أن النبي يأتي وليس معه أحد ويأتي النبي ومعه الواحد والإثنان فحسب، وورد أيضًا في الحديث "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم".
ولا أنفع لعلاج التثبيط بسبب ضعف النتيجة على الأرض من قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكُهم أو معذِّبُهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف]
وأنت لك أجر الكلام بالخير على كل حال فلماذا تزهد بهذا الأجر؟